نساء غزة... سيدات التعب على أرض لا وقت فيها للبكاء!

نساء غزة... سيدات التعب على أرض لا وقت فيها للبكاء!

28 يناير 2024
امرأة فلسطينية تقود عربة تجرها دابة هربا من قصف الاحتلال لخانيونس (عبد زقوت/الأناضول)
+ الخط -

"نزحتُ تحت القصف سيرًا على الأقدام، أحمل طفلي على كتفي، وأمسك بيدي إخوته الثلاثة، وفي أحشائي صغيري الخامس، عند الحاجز؛ اعتقل جيش الاحتلال زوجي"، تختزل السيدة زينب الحكاية بهذه الكلمات، فلو أراد مخرجٌ سينمائيٌ صناعة مشهدٍ يحاكي أقسى ما قد تعيشه امرأةٌ يومًا، لما وجد أشد مما مرّ عليها، حالها كحال كلّ نساء غزّة، اللاتي كن الضحية الكبرى مع أطفالهن في الإبادة، إذ صُودر حقهن في الحياة، ومن لم يقتلها القصف أو الحرمان من العلاج، فُرض عليها واقعٌ مخيفٌ لم تعشه في أيّ عدوانٍ. إني إحدى هؤلاء النسوة، وقد كتبت كلامي هذا قطرةً من فيض عذاباتنا، ولو كان بوسعي لكتبت عنا جميعًا، عن نصف مليون امرأةٍ غزّيةٍ.

تتابع زينب حديثها الحزين: "أكملت السير بمفردي مع أطفالي إلى رفح، المدينة البعيدة التي لم أزرها قط. ما أن وصلت، حتّى تضاعفت خيبتي، فلا مكان نأوي إليه، وما من أحدٍ نعرفه. بتنا ليلتنا الأولى في العراء، وفي اليوم التالي، وجدت قريبًا لي بين النازحين، فوجد لنا مكانًا نمكث فيه، مستودعًا للأونروا، لا يصلح للعيش الآدمي، بالأمس كان مستودعًا للعدس والطحين، واليوم صار مأوىً باردًا لأمٍ مقهورةٍ مع أطفالها، بلا زوجٍ ولا أخٍ ولا أبٍ!".

تحدثني زينب والعبارات تخنقها: "أصبحت كالقطة التي تحمل صغارها من مكانٍ إلى آخر، لا أعرف متى نبتت لي أربع أيادٍ، لا بل عشر، أرفع بها تعب العالم، وأبحث لساعاتٍ عن حطبٍ، أشعل به النار لإعداد الخبز"، تصمت قليلًا، ثم تسأل بحسرةٍ: "وين رحت وتركتني؟"، وتكمل سرد تفاصيل قاسيةٍ، ربّما كان ليسهلها وجود زوجها معها: "أقف في طابور المياه لساعاتٍ، ثم أرجع بجرةٍ ثقيلةٍ أحملها فوق ظهري، تعبت كثيرًا، حتّى جاءني المخاض مبكرًا في ليلةٍ حالكةٍ. هب النازحون عند سماع صراخي، حاولوا إحضار سيارة إسعاف، لكن انقطاع الاتصالات حال دون ذلك. اضطرت إحدى السيدات إلى مساعدتي لأضع مولودي، وقد أحبطتني فكرة مجيئه إلى العالم في مكانٍ مكتظٍ متسخٍ وباردٍ، وإخوته يبكون أمامه مذعورين! تمنيت الموت ألف مرّةٍ، حتّى فقدت وعيي، ولم أستفق إلا في ممر مستشفى، أحضرني الناس إليه، كنت ملقاةً على الأرض، بانتظار دوري لدخول غرفة الولادة. بعد وضع طفلي دون تخديرٍ، رجعت لمسكننا المشؤوم، وفي رأسي تتردد كلمة الطبيب عن حاجتي إلى الغذاء لعلاج فقر الدم، لكن كيف؟ ومن أين؟!" لم تجد زينب طعامًا يغنيها، بل جحيمًا لا يطاق.

والله يا خالتي ما بوصل الفرن في آخر الدنيا بيكون العجين ساح على بعضه وخرب، بنجبر كمان مرة أرجع أعجنه وأقطعه وأفرده!

ثم تابعت سرد واقعها قائلةً: "بعد الولادة، كنت مضطرةً إلى دخول المرحاض مراتٍ عدّةً يوميًا، ومع وجود دورة مياه واحدةٍ، كنت أتحمل عبء الانتظار في الطابور، حتّى يلطخ الدم ملابسي، فأجبر على السير نصف ساعةٍ لإحضار المياه، ثم أغسل ثوبي الذي لا أملك غيره".

نيفين امرأةٌ غزّيةٌ أخرى؛ 28 عامًا، هي ضحيةٌ أخرى لهذا العالم القبيح، إذ تؤجل فطام طفلتها بسبب الأوضاع، مبررةً ذلك بقولها: "لا يعقل أن يكون ما تجربه طفلتي بعد حليب الأم هو معلبات الفول واللحوم المصنعة!"

غارقاتٌ في حمام دمٍ.. لا يجدن الماء!

لن أنسى ما قالته بيسان؛ 22 عامًا: "نحن نظيفاتٌ حافظاتٌ للقرآن، قواماتٌ، اليوم نقضي أسابيع دون اغتسالٍ، لنا الله".. النظافة الشخصية من أبرز ما تتجنب نساء غزّة التطرق إليه، لحساسية الأمر، ومساسه بكرامتهن وأنوثتهن. إذ صار الاستحمام شبه مستحيلٍ مع انقطاع المياه، كما أصبح ترف تغيير الملابس الداخلية باستمرارٍ أمرًا غير واردٍ، نظرًا لعدم توفرها أصلًا، فأغلب النساء قد نزحن بما عليهن من ثيابٍ فقط، ليصبحن عرضةً للإصابة بالالتهابات الخاصّة بالنساء، وما يصاحبها من أعراضٍ مؤلمةٍ، وسط غيابٍ تامٍ للرعايةٍ الصحية النسائية.

هذا ليس كلّ شيءٍ، فثمة تهيج فروة الرأس، والحكة الشديدة، بسبب الحجاب الذي لم يفارق نساء غزّة للحظةٍ منذ بداية العدوان. وما زاد الطين بلةً؛ انتشار القمل في مراكز الإيواء، ما اضطر آلاف النسوة إلى قص شعورهن.

أيّ إهانةٍ أكثر مما تعانيه السيدة أم محمد؛ 57 عامًا؟!  مريضة السكري، التي تحتاج إلى دخول المرحاض البعيد مراتٍ عدّةً يوميًا، لكن الأمر ينتهي بها في أغلب الأحيان إلى التبول على نفسها، لتغرق بالقهر والهوان، وهي تعلم أنّها لا تستطيع الاغتسال، وتبديل ملابسها!

لمن يسأل عن خصوصيتنا، فلا مكان لها في الخيام الكاشفة، ومراكز الإيواء، والبيوت المكتظة بالأسر النازحة. ولا متسعٌ للاستلقاء، وأخذ قسطٍ من الراحة بعد عناء المسؤوليات اليومية المرهقة، وحدها أحمالٌ تهد الجبال تتوفر لنا على مدّ النظر. وقد أخبرتني سيدةٌ أنّها في توترٍ دائمٍ، فكلما أرادت إرضاع طفلها داخل خيمتها البلاستيكية، خشيت أن تنكشف، أو أن تُسقط الرياح قطعة القماش التي تستر بها نفسها: "جف حليبي، طفلي يرضع الآن قلقي وخوفي!"

خبز الحرب.. بركة الأمهات وشقاؤهن!

تحضير الخبز صار الطقس المرهق الأشهر لدى الغزّيات بعد قتلنا، بدءًا من البحث عن الطحين، ثم عجنه بكمياتٍ كبيرةٍ، وتقطيعه، وفرده، وصولاً إلى اجتياز مسافةٍ طويلة إلى الفرن، ومرورًا بالبحث عن الخشب والأوراق، وكلّ ما يمكن استخدامه في إشعال النار. تسبب هذا في إصابتهن بمشاكل تنفسيةٍ وحروقٍ، فكثيرٌ منهن لم يجربن الخبز من قبل قط. حدثتني سيدةٌ عن إصابتها بتشنجاتٍ في الرقبة، جراء معارك الخبز اليومية، قائلةً: "والله يا خالتي ما بوصل الفرن في آخر الدنيا بيكون العجين ساح على بعضه وخرب، بنجبر كمان مرة أرجع أعجنه وأقطعه وأفرده!".

اضطرت إحدى السيدات إلى مساعدتي لأضع مولودي، وقد أحبطتني فكرة مجيئه إلى العالم في مكانٍ مكتظٍ متسخٍ وباردٍ، وإخوته يبكون أمامه مذعورين!

إن كنتم تعتقدون أنّ إعداد الخبز هو المهمة الأصعب، فأنتم لا تعرفون شيئًا عن آلام المفاصل، وتشنج الأعصاب، والأكزيما، نتيجة غسل الملابس يدويًا باستخدام مسحوقٍ رديءٍ مليءٍ بالأملاح الحارقة، فهو النوع الوحيد المتوفر، الذي آذى يد أمي المباركة، كما أيادي كلّ نساء غزّة.

يعشن في خيمةٍ وحياتهن عالقةٌ تحت الأنقاض!

أخبرتكم عن رغبتي في أن أنقل لكم قصصنا جميعًا، لكن الكلام كلّه لا يكفي، لذ سوف أروي لكم حكايةً أخيرةً عن علا ابنة خالتي، وهي أمٌ لطفلتين: سيلا ونجمة، نزحتُ معهما إلى الجنوب سيرًا على الأقدام، في ما علق زوجها في الشمال. في الطريق، أصيبت علا برصاصةٍ في ظهرها، واستقرت في صدرها، نجت بأعجوبةٍ، وتابعت سيرها إلى أن بلغنا المستشفى، حيث خضعت لجراحةٍ عاجلةٍ، وغادرتها سريعًا؛ من دون أن تستريح، إلى خيمةٍ باردةٍ، لتعيش مع طفلتيها، حياة كلّ السيدات اللاتي أخبرتكم عنهن، جريحةً دون معيلٍ. تسألني علا: "كيف سأعيش هنا، وحياتي هناك؟ لمَ يتركنا العالم في قلب الموت، بعيدًا عن حياتنا؟!" جميعنا نسأل يا علا، لكن لا وقت للإجابة، فالطوابير تنتظرنا، والخبز، والهرب من القصف!