قصف المنطقة الخضراء: تراشق تهديدات واتهامات بين واشنطن وطهران

قصف المنطقة الخضراء: تراشق تهديدات واتهامات بين واشنطن وطهران

24 ديسمبر 2020
الصورة
انتشرت وحدات من الجيش والشرطة قرب نهر دجلة (أحمد الربيعي/فرانس برس)
+ الخط -

ترامب: إذا توفي أي مواطن أميركي سأحمل المسؤولية لإيران

خطيب زادة: رد إيران على الإرهاب الأميركي سيكون صريحاً وشجاعاً

تم إعلان حالة طوارئ بمحيط المنطقة الخضراء

بعد ساعات من زيارة قائد "فيلق القدس" الإيراني إسماعيل قاآني بغداد، مساء الثلاثاء الماضي، ومع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لمقتل قائد "الفيلق" قاسم سليماني، في 3 يناير/كانون الثاني 2020 بطائرة أميركية مسيرة في العاصمة العراقية، عاد تراشق التهديدات والاتهامات بين واشنطن وطهران، فيما تخيم أجواء التوتر على المنطقة الخضراء مع عودة الحديث عن إغلاق السفارة الأميركية.
ووجه الرئيس الأميركي الخاسر دونالد ترامب تحذيراً إلى طهران، محملاً إياها مسؤولية مقتل أي مواطن جراء استهداف السفارة الأميركية، في تناغم مع تهديد قيادة القوات الأميركية في الشرق الأوسط، فيما اتفق مسؤولو الأمن القومي على خيارات عدة، غير تصعيدية، لتقديمها إلى ترامب بهدف ردع أي هجوم يستهدف العسكريين والدبلوماسيين الأميركيين في العراق.
إيران التي سارعت إلى الرد على ترامب والقيادة العسكرية الأميركية، اعتبرت على لسان وزير الخارجية محمد جواد ظريف أن تهديد ترامب يأتي لصرف الانتباه عن الإخفاقات الكارثية في الداخل الأميركي. ونصح المتحدث باسم الخارجية الايرانية سعيد خطيب زادة الرئيس الأميركي بتجنب إثارة التوتر والمغامرات في الأيام الأخيرة من وجوده في البيت الأبيض. وأكد أن "طهران تُحمّل الحكومة الأميركية مسؤولية عواقب أي خطوة حمقاء قد تقوم بها في الظروف الراهنة".
وتعرضت المنطقة الخضراء، التي تضمّ مبنى السفارة الأميركية وبعثات غربية مختلفة، فضلاً عن مقرَّي الحكومة والبرلمان ورئاسة الجمهورية، مساء الأحد الماضي، لعدة رشقات بصواريخ "كاتيوشا"، ردت عليها منظومة الصواريخ الأميركية الموجودة في مبنى السفارة وأسقطت عدداً منها، لكن أخرى سقطت على مقربة من السفارة، التي سارعت للإعلان في بيان رسمي عن عدم تعرض أي من موظفيها للضرر جراء الهجوم. وتداولت أوساط سياسية عراقية أحاديث عن تهديد أميركي جديد بعد ساعات من الهجوم. ووفقاً لنائب في البرلمان العراقي تحدث، في وقت سابق لـ"العربي الجديد"، فإنّ قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال فرانك ماكينزي أبلغ رئيس أركان الجيش العراقي الفريق الركن عبد الأمير يارالله، بأنهم لن ينتظروا حتى يُصاب أو يُقتل أحد موظفي السفارة الأميركية حتى يقوموا بالرد، مطالبين بوقف الهجمات وتقديم منفذيها للمحاكمة وفق قانون مكافحة الإرهاب في العراق.

أعدت الخيارات الأميركية للرد لتكون غير تصعيدية

وذكر موقع "اكسيوس" الإخباري الأميركي، ليل الأربعاء الخميس، أن واشنطن تدرس إغلاق سفارتها في بغداد بعد سلسلة هجمات بصواريخ "كاتيوشا" استهدفت المنطقة الخضراء، وتتهم مليشيات موالية لإيران بالوقوف وراءها. وبحسب مصادر الموقع فإن الخطوة، التي تُدرس ضمن خيارات أخرى، قد تكون مقدمة لرد أميركي ضد إيران.
وقال مسؤول رفيع المستوى في الإدارة الأميركية، لوكالة "رويترز" أمس الخميس، إن كبار مسؤولي الأمن القومي اتفقوا الأربعاء على عدة خيارات لتقديمها إلى ترامب بهدف ردع أي هجوم يستهدف العسكريين والدبلوماسيين الأميركيين في العراق. وأوضح المسؤول، الذي طلب عدم نشر اسمه، أن المسؤولين الكبار، وهم القائم بأعمال وزير الدفاع كريس ميلر ووزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي روبرت أوبراين، بحثوا الوضع في اجتماع عقد بالبيت الأبيض. وأضاف المسؤول، الذي لم يصف محتوى الخيارات أو ما إذا كانت تتضمن عملاً عسكرياً، أن "مجموعة متنوعة من الخيارات" ستطرح على ترامب قريباً، مشيراً إلى أن كل خيار من الخيارات المطروحة "أُعد ليكون غير تصعيدي ولردع المزيد من الهجمات". وقال المسؤول إن الهدف من اجتماع البيت الأبيض هو "إعداد المجموعة الصائبة من الخيارات التي يمكن أن نقدمها للرئيس، لضمان أننا نردع الإيرانيين والمليشيات الشيعية في العراق عن شن هجمات على أفرادنا". وأشار مسؤول أميركي آخر إلى أنه على الرغم من عدم إصابة أي أميركي في الهجوم، فقد تم إطلاق ما يقرب من 21 صاروخاً أصاب عدد منها مبنى السفارة.
ونشر ترامب، على حسابه في "تويتر" أمس الأول، صورة لثلاثة صواريخ، أرفقها بتغريدة جاء فيها: "لقد تعرضت سفارتنا في بغداد الأحد (الماضي) لقصف بعدة صواريخ، ثلاثة منها فشلت في الإطلاق. احذروا من أين مصدر تلك الصواريخ: إيران. الآن تصل إلينا الأنباء حول هجمات إضافية تستهدف الأميركيين بالعراق". وأضاف "نصيحة أخوية وودية لإيران: إذا توفي أي مواطن أميركي، سأحمل المسؤولية لإيران. فكروا في الأمر جيداً".

ودانت الخارجية الأميركية في بيان "الهجوم الأخير من قبل مليشيات مدعومة من إيران في بغداد"، معتبرة أن هذه المجموعات "هي العائق الأكبر أمام مساعدة العراق للعودة إلى السلام والازدهار". كما نشر وزير الخارجية مايك بومبيو تغريدة اعتبر فيها أن على "هؤلاء المجرمين والفاسدين أن يوقفوا نشاطاتهم المزعزعة للاستقرار".
ونددت قيادة القوات الأميركية في الشرق الأوسط بإطلاق "21 صاروخاً شنّتها بشكل شبه مؤكد مليشيا مدعومة من إيران، والتي من الواضح أن الهدف منها لم يكن تجنب سقوط مدنيين". وأضافت، في بيان، أن "الولايات المتحدة ستحاسب إيران على مقتل أي أميركي نتيجة عمل هذه المليشيات المارقة المدعومة من إيران".
ورداً على ترامب، كتب وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، في تغريدة أمس الخميس، "تعريض مواطنيك للخطر في الخارج لن يصرف الانتباه عن الإخفاقات الكارثية في الداخل". وأرفق ظريف صورة لتغريدات لترامب منشورة قبل أعوام يقول فيها إن الرئيس السابق باراك أوباما كان سيبدأ حرباً مع إيران لتتم إعادة انتخابه، وصورة شاشة لرسم بياني يفترض أنه يكشف درجة خطورة جائحة كورونا في الولايات المتحدة.
وكتب ظريف في تغريدة أخرى "في المرة الماضية، دمرت الولايات المتحدة منطقتنا بسبب افتراءاتها المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل، وأهدرت سبعة تريليونات دولار، وتسببت في سقوط 58976 من الضحايا الأميركيين"، في إشارة إلى غزو العراق في العام 2003. وأضاف "سيتحمل ترامب المسؤولية كاملة عن أي مغامرة يقوم بها وهو في طريقه للخروج".
من جهته، وجه المتحدث باسم الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة، أمس الخميس، نصيحة إلى ترامب، تدعوه إلى تجنب إثارة التوتر والمغامرات الخطيرة في الأيام الأخيرة من وجوده في البيت الأبيض. وقال خطيب زادة، في تصريح، إن "مثل هذه التصريحات والاتهامات المتكررة، والتي لا أساس لها، والمفبركة يمكن تقييمها في إطار توجيه الاتهامات الفارغة التي اعتاد عليها البيت الأبيض، بهدف التغطية على الظروف الصعبة جداً التي يواجهها ترامب". ورفض خطيب زادة اتهامات ترامب والقيادة العسكرية الأميركية لطهران بالوقوف خلف الهجوم. وقال "مثلما تم الإعلان عنه مراراً، فإن الهجوم على الأماكن الدبلوماسية والسكنية أمر مرفوض. وفي هذه القضية بالذات، فإن أصابع الاتهام موجهة نحو أميركا وشركائها وحلفائها في المنطقة الذين يسعون وراء تصعيد التوتر وإثارة فتن جديدة". وأضاف "مثلما قلنا في وقت سابق، فإن رد إيران على الإرهاب الأميركي سيكون صريحاً وشجاعاً، وفي مستوى مناسب له، لذا من الأفضل للنظام الأميركي أن يستخدم سيناريوهات أكثر قبولاً لتبرير إثارته للفتن". وتابع أن "الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعتبر الحكومة الأميركية بأنها المسؤولة عن تداعيات وعواقب أي خطوة حمقاء في الظروف الراهنة".

ظريف: سيتحمل ترامب مسؤولية أي مغامرة يقوم بها
 

في هذا الوقت، واصلت، لليوم الثالث على التوالي، طائرات مراقبة عراقية تحليقها على مستويات منخفضة بمحيط المنطقة الخضراء وسط بغداد حيث تقع السفارة الأميركية، إضافة إلى مناطق قريبة منها. كما تنتشر وحدات راجلة من الجيش والشرطة، وعناصر ترتدي الزي المدني تتبع جهازي المخابرات والأمن الوطني، في التقاطعات والمناطق القريبة من نهر دجلة، وسط العاصمة. ويوحي هذا الإجراء بعدم ثقة الحكومة العراقية بمسألة عدم تجدد القصف مرة أخرى على غرار هجوم الأحد الماضي، رغم الحراك السياسي الذي تزامن مع وصول قاآني، إلى بغداد منذ الثلاثاء، وتأكيده على عدم مسؤولية طهران عن الهجمات أو تحريضها الفصائل المسلحة عليه.
وقال جنرال عراقي بارز في قيادة عمليات بغداد، ضمن اللواء 52 في الجيش العراقي، لـ"العربي الجديد"، إنه تم فعلياً إعلان حالة طوارئ بمحيط المنطقة الخضراء، والمناطق التي يتوقع أن تنفذ الجماعات المسلحة منها هجمات صاروخية". وأشار إلى أن "رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي لوح بعقوبات قاسية تجاه آمري الوحدات والقطعات التي تنطلق منها صواريخ تجاه المنطقة الخضراء، وإحالتهم إلى المحكمة العسكرية"، لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن الجماعات التي تنفذ الهجمات تتنقل بـ"هويات وسيارات مرخصة من الحكومة نفسها، كون أفراد خلايا الكاتيوشا ينتمون لفصائل مسلحة منضوية ضمن الحشد الشعبي".
وأعلن وزير الداخلية العراقي عثمان الغانمي، أمس الخميس، اعتقال أحد مطلقي الصواريخ على المنطقة الخضراء والسفارة الأميركية في المنطقة الخضراء، دون أن يوضح مزيداً من التفاصيل. وقال، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية عراقية، "نعمل على خطة أمنية عسكرية لمنع استهداف المنطقة الخضراء، والقوات الأمنية اعتقلت أحد مطلقي الصواريخ تجاه السفارة الأميركية"، مضيفاً "أفشلنا عدة مخططات لاستهداف المنطقة الخضراء".
في المقابل، تشير مصادر سياسية عراقية إلى اتصالات مكثّفة أجراها الكاظمي مع قيادات سياسية مختلفة، للتأكيد على خطورة الوضع، وأن تكرار الهجوم يعني تعريض أمن العراق كله للخطر. ونفت المصادر، في الوقت ذاته، التقارير التي تحدثت عن انتقال السفير الأميركي ماثيو تولر إلى أربيل، مؤكدة أنه ما زال في بغداد، وهناك تواصل بينه وبين الحكومة العراقية.

المساهمون