غزّة.. ساحة تجارب إسرائيلية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب

غزّة.. ساحة تجارب إسرائيلية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب

25 نوفمبر 2023
استخدم الاحتلال تقنيات الذكاء الاصطناعي لضرب 11 ألف هدف بغزة (أشرف عمرة/الأناضول)
+ الخط -

بالتوازي مع إعلان الاحتلال الإسرائيلي الحرب على قطاع غزة، بدأت شركات أسلحة أميركية بتلقي طلبات أسلحة من جيش الاحتلال، ولا سيما شركات التكنولوجيا العسكرية المتطورة، إذ أدركت إسرائيل منذ اتخاذها قرار الحرب أنها بحاجة لأسلحة هجومية أكثر تطوراً وأقل حجماً والأهم تساهم في تقليل المخاطر على جنودها.

"أخلاقيات الذكاء الاصطناعي"

وتوفر التكنولوجيا العسكرية الحديثة هذه الحلول عبر الطائرات المسيرة الحديثة وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وعلى ذلك كانت شركة Skydio الأميركية المتخصصة بإنتاج الطائرات دون طيار من أولى الشركات التي تلقت طلبات إسرائيلية تتعلق بطائرات الاستطلاع قصيرة المدى دون طيار التي تنتجها الشركة، وهي مركبات طائرة صغيرة يستخدمها الجيش الأميركي للتغلب على العوائق الجغرافية والخرسانية بشكل مستقل وإجراء مسح ثلاثي الأبعاد للهياكل المعقدة مثل المباني.

ويأتي الاهتمام الإسرائيلي بالتكنولوجيا العسكرية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي بعد اختباره في أوكرانيا. وبحسب تقرير في صحيفة بوليتيكو الأميركية أرسلت Skydio أكثر من 100 طائرة دون طيار إلى جيش الاحتلال في الأسابيع الثلاثة الأولى للحرب مع وعود بإرسال المزيد، ويتم توفير التكنولوجيا العسكرية الحديثة من قبل الشركات المصنعة الأحدث والأصغر حجماً مباشرةً في كثير من الحالات، ولا سيما تلك الأقل شهرة خارج المفاوضات التقليدية بين الدول بشأن الإمدادات العسكرية.

ويقول جون غروين، الرئيس التنفيذي لشركة Fortem Technologies، التي زودت القوات الأوكرانية بالرادار وطائرات مضادة للطائرات دون طيار، إنه يجري "محادثات مبكرة" مع الإسرائيليين في ما إذا كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بالشركة يمكن أن تعمل في البيئات الحضرية التي توجد فيها كثافة بالمباني مثل غزة.

لكن استخدام جيش الاحتلال لهذه التكنولوجيا المعتمدة على الذكاء الاصطناعي أثار مخاوف علماء "أخلاقيات الذكاء الاصطناعي" من استخدامها لاستهداف الفلسطينيين، مشيرين إلى تقارير تفيد بأن الاحتلال استخدم الذكاء الاصطناعي لضرب أكثر من 11 ألف هدف في غزة منذ بدء الحرب.

وتقول "بوليتيكو" إن هذه التكنولوجيا المتطورة تشكل تحدياً جديداً لإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، مشيرة إلى أنه في 13 تشرين الثاني/نوفمبر بدأت الولايات المتحدة بتنفيذ سياسة خارجية جديدة للتحكم في الاستخدام العسكري لمثل هذه التقنيات، وكانت 45 دولة، بالإضافة إلى أميركا، قد أقرت بلاهاي في فبراير/شباط الماضي هذه السياسة، في محاولة لإبقاء الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة ضمن القانون الدولي للحرب.

لكن إسرائيل وأوكرانيا لم توقعا على المعاهدة، ما يترك تساؤلات جدية عن مدى تطبيق الاتفاقيات حول استخدام الأسلحة عالية التقنية.

"استخدام مميت"

ورداً على سؤال عن امتثال إسرائيل للإعلان بشأن الذكاء الاصطناعي العسكري، قال متحدث باسم وزارة الخارجية إنّ "من السابق لأوانه" استخلاص استنتاجات حول سبب عدم تأييد بعض الدول للاتفاق، أو الإشارة إلى أن الدول غير المؤيدة لا توافق على هذا الإعلان أو لن يلتزم بمبادئه.

وتُستخدَم الطائرات دون طيار في غزة إلى حد كبير للمراقبة واستكشاف المواقع والبحث عن المسلحين دون المخاطرة بحياة الجنود، وفقاً لمطوري التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية والأميركية والمراقبين، بحسب بوليتيكو.

ولكن الصحيفة تذكر أن عدم كشف إسرائيل إلا القليل من التفاصيل حول كيفية استخدامها لهذه التكنولوجيا، يدفع البعض إلى الشعور بالقلق من أن الجيش الإسرائيلي يستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي لتحديد أهداف العمليات المميتة.

وتستخدم القوات الأوكرانية أنظمة الذكاء الاصطناعي التجريبية للتعرف إلى الجنود الروس والأسلحة ومواقع الوحدات من وسائل التواصل الاجتماعي وقنوات الأقمار الصناعية. ويقول المراقبون إن استخدام إسرائيل لهذه الأسلحة سيكون أكثر مرونة وخطراً، لأنها تمتلك جيشاً متطوراً وميزانية كبيرة.

وعلى الرغم من أن تجارة الأسلحة تخضع للتدقيق والتنظيم، إلا أن الأنظمة المستقلة تثير أيضاً تحديات خاصة، على عكس الأجهزة العسكرية التقليدية، حيث يستطيع المشتري إعادة تكوين هذه المنصات الذكية لتلبية احتياجاتهم الخاصة، ما يضفي غموضاً على كيفية استخدام هذه الأنظمة.

وفي حين أن العديد من الطائرات دون طيار التي صنعتها الولايات المتحدة والمزودة بتقنية الذكاء الاصطناعي وأُرسِلَت إلى إسرائيل ليست مسلحة وغير مبرمجة من قبل الشركات المصنعة لتحديد مركبات أو أشخاص محددين، فإن هذه الروبوتات المحمولة جواً مصممة لتترك مساحة للعملاء العسكريين لتشغيل برامجهم المخصصة.

وأكد براندون تسينج، المؤسس المشارك لـ Shield AI، أن المستخدمين قادرون على تخصيص طائرات Nova 2 دون طيار التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي للبحث عن المسلحين والمدنيين المتحصنين في المباني.

وقال مات محمودي، الذي وضع تقرير منظمة العفو الدولية في شهر مايو/أيار الذي يوثق استخدام إسرائيل لأنظمة التعرف إلى الوجه في الأراضي الفلسطينية، لصحيفة بوليتيكو إنه تاريخياً لم يكن لدى شركات التكنولوجيا الأميركية المتعاقدة مع الاحتلال الإسرائيلي سوى القليل من المعرفة أو السيطرة على كيفية استخدام السلطات الإسرائيلية لمنتجاتها، مشيراً إلى عدة حالات قام فيها الجيش الإسرائيلي بتشغيل برنامج الذكاء الاصطناعي الخاص به على أجهزة مستوردة من دول أخرى لمراقبة حركة الفلسطينيين من كثب.

ومما يزيد المشكلة تعقيداً، التماهي بين التكنولوجيا العسكرية وغير العسكرية، الذي يسمى "الاستخدام المزدوج"، حيث استخدمت تكنولوجيا مخصصة للاستخدامات البحثية والعلمية لغايات عسكرية مثل الطائرات دون طيار المجهزة بـ"Computer vision"، أي القادرة على معالجة الصور والفيديوهات الرقمية، والذي يمكن استخدامه لأغراض تجارية، ولكن يمكن استخدامه أيضاً في القتال.

ويمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي ذات الاستخدام العسكري القابلة للتصدير أن تحول سلسلة كاملة من المنتجات التجارية إلى أسلحة، ما يعني أن السلطات الأميركية مطالبة بموجب القانون بمراقبة نقل هذه الأنظمة إلى دولة أخرى، ولم تعتمد وزارة الخارجية الأميركية إلا أخيراً سياسات لمراقبة الأضرار التي تلحق بالمدنيين بسبب هذه الأسلحة تحت ضغوط الكونغرس.

ولكن، على ما يبدو، إن هذه السياسات لا تطبق على الاحتلال الإسرائيلي، حيث كتب جوش بول، مسؤول سابق في وزارة الخارجية، أنه أُلغي تقرير عن تنفيذ تلك السياسات، لأن الوزارة أرادت تجنب أي نقاش في مخاطر الإضرار بالمدنيين في غزة من جراء نقل الأسلحة الأميركية إلى إسرائيل.

ويقول متحدث باسم Skydio إن الشركة ليست على علم حالياً بأي مستخدمين ينتهكون قواعد السلوك الخاصة بها، وسوف "تتخذ الإجراءات المناسبة" للتخفيف من سوء استخدام طائراتها دون طيار، وقال متحدث باسم Shield AI إن الشركة واثقة من أن منتجاتها لا تُستخدم لانتهاك المعايير الإنسانية في إسرائيل، و"لن تدعم" الاستخدام غير الأخلاقي لمنتجاتها.

ورداً على استفسارات عما إذا كانت الحكومة الأميركية قادرة على مراقبة الأنظمة عالية التقنية التي ترسلها الشركات الصغيرة إلى إسرائيل أو أوكرانيا من كثب، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إنها مُنعت من التعليق علناً أو تأكيد تفاصيل الدفاع المرخص تجارياً.

ويشير بعض المراقبين إلى أن البنتاغون في واقع الأمر يراقب الأنظمة الجديدة التي يجري اختبارها في أماكن أخرى لاستخلاص نتائج التطبيق العملي لهذه التكنولوجيا. ويقول كانسيان، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن "القيمة الكبيرة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، هي أننا سنختبر كل هذه الأشياء الجديدة ميدانياً" بشكل أسرع بكثير من تجربتها وقت السلم وتسمح للبنتاغون باستخلاص النتائج حول التقنيات الجديدة بثقة أكبر.