عقدان على هبّة الأقصى وعقد من مخططات الأسرلة الناعمة

01 نوفمبر 2020
الصورة
تغلّب أخيراً الهمّ اليومي على القضايا الوطنية (جاك غوز/فرانس برس)
+ الخط -

أحيا الفلسطينيون في الداخل، في شهر أكتوبر/ تشرين الأول، الذكرى العشرين لهبّة القدس والأقصى في الداخل التي اندلعت في الأول من أكتوبر بإضراب عام، احتجاجاً على سقوط الشهداء في القدس المحتلة وباقي أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة، خلال رد الاحتلال الإسرائيلي الهمجي على الاحتجاجات الفلسطينية لاقتحام أريئيل شارون المسجد الأقصى المبارك، بموافقة من رئيس الحكومة آنذاك، إيهود براك. 

وقد شكلت الهبّة التي استمرت 8 أيام من المظاهرات والمواجهات انتهت باستشهاد 13 شاباً من الداخل الفلسطيني، بينهم شهيد من دير البلح، هو مصلح أبو جرادات الذي كان يعمل في مدينة أم الفحم في الداخل، علامة فارقة في العلاقة بين دولة الاحتلال وبين الفلسطينيين في الداخل، أسقطت حالة الوهم التي حاول البعض صياغتها بعد اتفاق أوسلو ونسج خيوطها على أساس حلّ الدولتين، واندماج تام في المجتمع ومؤسسات الدولة الإسرائيلية على أساس "المواطنة" الرسمية المفروضة على فلسطينيي الداخل منذ النكبة عام 1948.

وعلى مدار العقد الأول، للهبّة، كان الخطاب الفلسطيني في الداخل، أكثر صلابة في سياق التركيز على الهوية الفلسطينية والاعتراف بالفلسطينيين أقلية قومية، بموازاة محاولات لبناء مجتمع مدني فلسطيني يقوم على مؤسسات عربية  للأحزاب العامة وإجماع على مطلب الاعتراف بفلسطينيي الداخل أقلية قومية وبدء سيادة وانتشار خطاب "دولة كل مواطنيها" الذي أطلقه حزب التجمع الوطني الديمقراطي، بقيادة المفكر عزمي بشارة، مع تأسيس التجمع عام 1996. 

وشهد العقد الأول للهبة تمسكاً بمطالب محاكمة القتلة من عناصر الشرطة، وسط حالة توتر بين المجتمع الفلسطيني وباقي مركبات المجتمع الإسرائيلي، رغم بروز محاولات لليسار الصهيوني الليبرالي وأحزاب عربية لإطلاق محاولات للحوار و"التصالح" لجهة تعزيز "العيش المشترك" ومحاولات تقزيم البعد الوطني للهبّة وحشرها في زاوية المنظور الإسرائيلي الرسمي، باعتبارها رداً على سنوات من التمييز والإهمال. وحمل العقد الأول للهبّة وللمرة الأولى إطلاق ثلاث وثائق رسمية عربية لتصورات العلاقة بين الفلسطينيين في الداخل وبين دولة إسرائيل، هي وثيقة التصور المستقبلي للجنة القطرية للسلطات المحلية العربية، ووثيقة حيفا التي صدرت عن مركز مدى للأبحاث الاجتماعية التطبيقية، والدستور الديمقراطي لمركز عدالة. 

ارتكزت هذه الوثائق في جوهرها على مطلب الاعتراف بالفلسطينيين كأقلية قومية واعتماد تحويل إسرائيل إلى دولة "كل مواطنيها". في المقابل، وبموازاة بدء ظهور وتعزيز وجود جمعيات أهلية عربية في الداخل، أطلقت الحركة الإسلامية الشمالية، بقيادة رائد صلاح، مشروعها الذي أطلقت عليه "المجتمع العصامي" لبناء نوع من الاكتفاء والاقتصاد الذاتي. 

لكن هذه التحولات والخطوات لم تكن تجري بمعزل عمّا تخطط له الحكومة الإسرائيلية والمجتمع المدني الإسرائيلي بما فيه من جمعيات يسار صهيوني، لم تغير نظرتها الأم لدور فلسطينيي الداخل ومكانتهم، كمواطنين متساوي الحقوق في أقصى الحدود وكقوة مساندة لا غير لقوى اليسار الإسرائيلي.  

وقد صمد المجتمع الفلسطيني في الداخل، بالرغم من النقاشات والمناكفة وحتى التنافس بين التيارات الرئيسية فيه، في وجه مساعي الأسرلة بشكل كبير، وعزز ذلك استمرار الانتفاضة الثانية، وأجواء التعبئة الوطنية التي حملتها الانتفاضة من جهة، والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2008 الذي أطلق عليه الرصاص المصبوب.  

لكن بموازاة ذلك، لم تتوقف محاولات الأسرلة، ولكن بصورتها الناعمة، ومن خلال أدوات بدت شرعية، أهمها مراكز أبحاث وجمعيات مدنية إسرائيلية طرحت مشاريع كلها تحت شعارات التعايش واستعادة الثقة بين المجتمع الإسرائيلي والعرب في الداخل، وكانت أبرزها مشاريع لجمعيات كانت محسوبة ولا تزال على اليسار الصهيوني وممولة من مصادر تمويل يهودي من الخارج، سواء أميركي أو أوروبي، ومراكز من أجل السلام والتعايش، تابعة للجامعات الإسرائيلية، وتحديداً لأقسام دراسة الدول الإسلامية والشرق الأوسط، تتجه عادة لأن يكون أستاذاً عربياً مشاركاً فيها أو في إدارتها، ممن ليسوا محسوبين كنشطاء في مختلف الأحزاب العربية. 

ولعبت هذه المراكز والجمعيات دوراً في "محاولات ومساعي بناء الثقة"، وفي الوقت ذاته التحريض أو على الأقل تنفير الناس من الأحزاب العربية، التي وقع قسم منها بدوره، مجدداً في شرك اختراق المجتمع الإسرائيلي، والتأثير فيه من الداخل. بموازاة ذلك، نشطت هذه المراكز في تبني خطاب ليبرالي يضع سقفاً لحدود ودور الفلسطيني في الداخل في مطلب المساواة التامة والعدالة في توزيع الموارد، دون أن تتنازل هذه الجمعيات ومن يقف خلفها  قيد أنملة عن مسلمات بديهية بشأن يهودية الدولة.   

بموازاة ذلك، كانت الحكومة الإسرائيلية ماضية في محاولات فرض للتجنيد الإجباري على الفلسطينيين في الداخل كشرط مقابل الحقوق المتساوية مثلما عبّرت عنه لجنة دافيد عبري، المدير العام السابق لوزارة الأمن، التي نشرت توصياتها عام 2002 وتوصيات لجنة برئاسة وزير العدل الإسرائيلي الأسبق، تومي لبيد، الذي قدّم توصياته عام 2004، وتبعتها لاحقاً في عام 2012 توصيات لجنة بلاسنير تحت مسمى توصيات لتقاسم العبء (في إشارة إلى الخدمة العسكرية). 

ويمكن القول إنه حتى عام 2012، كانت السمة الأبرز للعلاقة مع دولة الاحتلال هي المواجهة، بالرغم من أصوات داخل المجتمع الفلسطيني كانت تحاول "التهدئة" أو كسر ما وصفته بخط التطرف الذي حددته لجنة التحقيق الرسمية في هبّة القدس والأقصى بالتيار القومي ممثلاً بعزمي بشارة، والتيار الإسلامي ممثلاً بالشيخ رائد صلاح والنائب السابق عن الحركة الإسلامية، عبد المالك دهامشة.  

لكن هذا التوجه بدأ يخفت تدريجاً، سواء بفعل الملاحقة للمفكر عزمي بشارة، أو الملاحقة المتواصلة أيضاً للحركة الإسلامية الشمالية بقيادة رائد صلاح وملاحقة حركة أبناء البلد، وصولاً إلى إخراج الحركة الإسلامية الشمالية عن القانون، وتوجيه ضربة قوية إلى الحركة والعمل الشعبي غير البرلماني الذي مثلت الحركة الإسلامية عموده الفقري.  

في عام 2014 وعشية الانتخابات للكنيست العامة في عام 2015 رُفعَت نسبة الحسم في الانتخابات العامة للكنيست، ما اضطرّ الأحزاب العربية إلى التحالف في قائمة مشتركة، وإن كان بعضها يرفض فكرة الوحدة للأحزاب العربية، وخاصة الجبهة والحزب الشيوعي الإسرائيلي بفعل تبنيها لمبدأ "النضال اليهودي العربي المشترك".  

أبرز نجاح القائمة المشتركة في انتخابات 2015 بـ13 نائباً، بينهم نائب يهودي واحد، على رفع شأن العمل البرلماني، على الأقل من وجهة نظر الأحزاب المشاركة في البرلمان، ورفع خطاب التأثير من الداخل، وخدمة القضايا اليومية المعيشية للعرب في الداخل. وبدا في تغييب البعد الوطني وتغييب البعد الشعبي لنشاط أحزاب القائمة المشتركة. كذلك تراجعت أيضاً في محاولات ومساعي بناء لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في الداخل، باعتبارها المرجعية الأعلى للفلسطينيين في الداخل، وساهم قرار الكابينت السياسي والأمني في نوفمبر من ذات العام بحظر الحركة الإسلامية الشمالية، برئاسة الشيخ رائد صلاح، أكبر حركة غير برلمانية في الداخل الفلسطيني في إضعاف الحركة الوطنية في الداخل.  

وانعكس ذلك عكس أداء القائمة المشتركة وأحزابها المركبة لها عبر تراجع البعد الوطني الفلسطيني لصالح البعد المدني، والتصرف كمعارضة برلمانية في برلمان عادي كأي دولة، رغم إعلان أقطابها انزلاق إسرائيل نحو الفاشية ونحو تكريس أبرتهايد فعلي، خاصة بعد إقرار قانون القومية اليهودية في تموز 2018، وتعامل القائمة المشتركة معه بحسب اعتراف النائبة السابقة حنين زعبي في ندوة عقدت أخيراً، بأن الأحزاب البرلمانية تعاملت مع القانون وكأنه مسألة مدنية لا غير وبأدوات مدنية.  

وقد حملت الانتخابات الإسرائيلية الثلاث الأخيرة في العامين 2019-2020، في موازاة خطاب التحريض العنصري لليمين الإسرائيلي بقيادة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ضد شرعية الصوت العربي، خطاباً خجولاً غير حقيقي من أحزاب الوسط واليسار بشأن "شرعية الصوت العربي"، لكن ليس إلى حد اعتباره شرعياً للمشاركة في الحكومة، بل بوقفه في أحسن الحالات عند التوصية على مرشح الوسط واليسار لتسميته لتشكيل الحكومة دون تعدي ذلك لشرعية المشاركة في الائتلاف الحكومي.  

ومع أن الانتخابات الأولى جرت في التاسع من إبريل/ نيسان 2019 وأعلن عنها مسبقاً في ديسمبر/ كانون الأول 2018، إلا أن القائمة المشتركة تفككت بفعل حسابات وخلافات على ترتيب المقاعد وحصة الأحزاب المركبة لها، وخاضت الانتخابات في قائمتين تحالفيتين واحدة جمعت بين التجمع الوطني الديمقراطي والحركة الإسلامية والثانية بين الجبهة الديمقراطية (التي تشمل بداخلها الحزب الشيوعي) والحركة للعربية للتغيير وسط مناكفات وتراشق اتهامات بينهما أدى إلى تراجع نسبة التصويت عند العرب وحصول القائمتين معاً على 10 مقاعد بدلاً من 13 مقعداً في انتخابات عام 2015.  

فشل نتنياهو بعد الانتخابات الأولى في تشكيل حكومة جديدة، وسارع إلى الإعلان عن انتخابات جديدة في 17 سبتمبر، خاضتها الأحزاب العربية في قائمة واحدة بعد حالة الغضب الشديد من جمهور الناخبين، واستعادت قوتها ولكنها لم تتفق على موقف موحد، بعد أن اتجهت ثلاث مركبات منها باستثناء التجمع الوطني إلى التوصية على الجنرال بني غانتس لتشكيل حكومة جديدة تحت ذريعة إسقاط نتنياهو من الحكم. وساهمت ضغوط عربية وفلسطينية (من السلطة الوطنية الفلسطينية) في دعم هذا الاتجاه، وتعرض حزب التجمع لهجوم غير مسبوق اتهم خلاله بالتقوقع والمراهقة. مع ذلك، فشلت مساعي تشكيل حكومة جديدة مرة أخرى، وذهبت إسرائيل لانتخابات ثالثة في مارس 2020 وسط تحويل مسألة دعم القائمة المشتركة للجنرال غانتس سلاحاً ضد خصوم نتنياهو، وخاصة حزب كاحول لفان، وجدل كبير في صفوف المجتمع الفلسطيني، ولكن أيضاً عبر قبول الأحزاب العربية، عبر شبكة من الجمعيات الأهلية العربية والإسرائيلية (المسماة يهودية عربية) تمويلاً هائلاً من صناديق يهودية أميركية لرفع نسبة التصويت عند فلسطيني الداخل، باعتبار ذلك عاملاً سيساهم في إسقاط نتنياهو من خلال زيادة التمثيل العربي.   

أسفرت الانتخابات الثالثة عن حصول المعسكر المؤيد لنتنياهو على 58 مقعداً مقابل 62 لخصومه في الوسط واليمين الجديد الذي مثله الجنرال بني غانتس وحلفائه في كاحول لفان، ولم يكن ممكناً للجنرال غانتس الحصول على تكليف بتشكيل الحكومة إلا في حالة انضمام التجمع الوطني بأصواته الثلاثة إلى التوصية على غانتس، ومع أن الأخير أعلن أنه يعتزم استخدام التكليف لتشكيل حكومة وحدة وطنية، أو حكومة ائتلاف ضيقة بدعم الأحزاب العربية من الخارج، إلا أن القائمة المشتركة وبضمنها التجمع الوطني، وتحت ضغوط هائلة مارسها الشركاء في القائمة وجهات فلسطينية رسمية في السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، قررت هذه المرة دعم تكليف زعيم (كحول لفان) بيني غانتس بكامل أعضائها، خلافاً لموقف قيادة التجمع المعلن عشية الانتخابات، بعدم التوصية على غانتس، ما منح تيار الاندماج و"تطبيع" المعارضة التقليدية للأحزاب العربية في الكنيست لتعمق نهج وأداء يضع القضايا المدنية والمعيشية في رأس العمل السياسي، وتغييب طاغٍ لنشاط ومكانة لجنة المتابعة العليا للفلسطينيين في الداخل التي تضمّ باقي الحركات والأحزاب التي لا تشارك في الكنيست.  

المساهمون