دولة تقتل الأحلام

دولة تقتل الأحلام

22 نوفمبر 2021
أسقط سعيّد أحلام الشباب التونسي بجرّة قلم (الأناضول)
+ الخط -

قضى آلاف التونسيين ليلة حزينة مساء الجمعة، ولعل ليالي طويلة قاسية البرودة أخرى ستتبعها، بعدما سقطت أحلامهم بجرّة قلم من حبر الرئيس التونسي قيس سعيّد. اكتشف الرئيس فجأة أن قانوناً معروفاً في تونس برقم 38 ويتعلق بتشغيل من طالت بطالتهم وتجاوزت عشر سنوات، أنه قانون غير قابل للتطبيق، وأنه يبيع الأوهام للشباب، واقترح عليهم في المقابل حلماً جديداً ينسجه على طريقته التي لم تتبين لأحد إلى حد الآن. تفاجأ سعيّد اليوم بأن القانون غير قابل للتطبيق، بعدما كان قد وقّع بنفسه منذ عام عليه وصدر في الجريدة الرسمية، مع أن الرئيس كان منتبهاً في الوقت نفسه إلى تعديل قانون المحكمة الدستورية ورفض توقيعه. ولكن المشكلة الأكبر ليست في تقييم الرئيس للقانون في حد ذاته، بل تتعداها إلى ما هو أخطر، لأن المسألة أصبحت تتعلق بتواصل الدولة ومصداقيتها لدى شعبها ولدى المؤسسات الوطنية والدولية. فقبل أيام، كانت رئيسة الحكومة نجلاء بودن تتعهد بتطبيق كل الاتفاقيات التي أبرمتها الحكومات السابقة، في إطار استمرارية وتواصل الدولة واحترامها لمسؤولياتها وتعهداتها السابقة، وهذا أمر طبيعي، لأن الحكومات والرؤساء تتغير أما الدولة فتتواصل وتتعهد وتلتزم وتحترم تعهداتها، ولكن الرئيس انقلب على كل هذا وأسقط عُرفاً من أعراف الدولة. والأخطر أن سعيّد أسقط أحلاماً لدى آلاف من الشباب، أو بالأحرى الكهول، الذين فاتهم قطار الحياة وهم ينتظرون وظيفة، وحتى عندما استعادوا بعضاً من حلمهم، جاء سعيّد لينسفه نسفاً.

ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي في تلك الليلة بقصص حزينة وآهات موجعة وغضب جارف على دولة تقتل أبناءها. يكفي أن يستمع الواحد إلى شباب القصرين الذين خرجوا تلك الليلة يملؤون السكون بنشيد الغضب واليأس والثورة. لم تسمعهم الدولة العادلة، كانت نائمة، حتى حركة الشعب المؤيدة للرئيس، اعتبرت في بيان لها، أول من أمس السبت، أن القانون رقم 38 هو قانون من قوانين الدولة وجب أن يُنفذ.

دولة تعجز عن تشغيل وإطعام شاب من كل عائلة، ما فائدتها؟ ما فائدة سياساتها ومخططاتها وموازنتها ومسؤوليها؟ هل يفهم العالم اليوم لماذا يرمي شباب من تونس ومن غيرها أنفسهم في البحر؟ منذ سنوات، التقيت شباباً تونسيين هائمين في إيطاليا، سألت أحدهم إذا كان يقبل العودة لو وفرنا له شغلاً، قال واثقاً وقاطعاً: "لا". كان يبحث عن حلم في مكان لا تُقتل فيه الأحلام.

المساهمون