حول مقاربة جديدة لمفهوم الأسرلة

01 نوفمبر 2020
الصورة
الواقع العربي دفع البعض للبحث عن الخلاص الفردي (ديفيد سيلفرمان/Getty)
+ الخط -

تطرقت أدبيات كثيرة، لا سيما أدبيات الهوية في العلوم الاجتماعية، إلى موضوع الأسرلة على أنه مركب من مركبات الهوية الفردية والجمعية للفلسطينيين في إسرائيل. وناقشت الأبحاث سؤال الأسرلة على نحو متى تم تعظيم مركب الأسرلة على حساب المركبات الاخرى في الهوية، مثل الهوية القومية، الدينية، الوطنية او الدمج بينها أو الفصل بينها. وعادة، وتحديدا في الادبيات الإسرائيلية يتم بحث الهوية بواسطة استطلاع رأي يبدأ بسؤال، كيف تعرف نفسك؟ ويُعطى المستطلع خيارات مغلقة على نحو: إسرائيلي، فلسطيني، مسلم، عربي، ويتم الدمج بينها على نحو: عربي إسرائيلي، فلسطيني في إسرائيل وهكذا، وهي مركبات غير منتهية يهدف منها محاصرة تفكير المستطلع، ومحاصرته فكريا، وكأن الهوية يمكن حصرها والتعبير عنها بخيارات يتم إسقاطها تعسفيا على المستطلع.

على كل حال، اختلفت الأدبيات أيضا حول مفهوم الأسرلة، هناك من ربطها بأنماط التصويت في انتخابات الكنيست، مبينا حضورها من خلال فحص نسب التصويت للأحزاب اليهودية، فاذا ارتفعت نسبة التصويت لهذه الاحزاب، فهذا يعني أن المركب الإسرائيلي يتعاظم في هوية الفلسطيني في إسرائيل، وإذا ارتفعت نسبة التصويت للأحزاب العربية فإن ذلك يشير إلى صعود المركب القومي، أو الأدق المركب غير الإسرائيلي، مرة الديني، مرة القومي، مرة الوطني، مع فصل تعسفي بين هذه الدوائر. عموما البحث الإسرائيلي في موضوع الهوية هو بحث إجرائي، تعسفي، سطحي ولا شك أنه نابع من مفاهيم استشراقية تنطلق من حالة صراع دائمة وتوتر مستمر بين دوائر الهوية والانتماء للفرد، توتر غير قابل للهدوء، صراع يفترض الصرفية في نتائجه. وكأن من يرى في الهوية الوطنية أو القومية الهوية القادرة على تنظيم المجتمع فإنه حتما في صراع مع الهوية الإسلامية. يذهب البحث الإسرائيلي التعسفي في موضوع الهوية إلى الحد الأقصى في تعسفه في دراسة الهوية في المجتمع الفلسطيني من خلال مقاربة الهوية عبر الانتخابات المحلية، عندها لا يعد العرب مؤسرلين لأن الاحزاب اليهودية لا تشارك في الانتخابات المحلية، ولا يعد العرب فلسطينيين أو إسلاميين، لأن الأحزاب العربية تقريبا لا تشارك بقوة في الانتخابات المحلية، بل تصبح هويتهم محلية، حمائلية. يدل ذلك على سطحية، إجرائية، تعسف مقاربات الهوية في المجتمع الفلسطيني في إسرائيل.

اذن اعتبرت الأسرلة إسرائيليا تلك المتعلقة بالأساس بأنماط التصويت في الانتخابات، غير أن الدكتور عزمي بشارة في نقده الهام للدراسات الاجتماعية الإسرائيلية، يعتبر أن مفهوم الأسرلة هو أسرلة الوعيّ، وليس السلوك. وهذا يدفعنا إلى الاستنتاج أن هناك ممارسات تظهر مؤسرلة حسب التعريفات الإسرائيلية غير أن دافعها لا ينبع من حالة أسرلة في الوعي. في هذا السياق، يمكن استحضار فترة الحكم العسكري (1948-1966) الذي فرض على الفلسطينيين الذين بقوا في إسرائيل، وتم تجنيسهم بالجنسية الإسرائيلية، حيث صوت أغلب المصوتين العرب للقوائم العربية التي اقامها الحزب الحاكم في إسرائيل (مباي- حزب العمل لاحقا). فهل نبع ذلك من حالة أسرلة؟ الأسرلة التي لم تكن مكتملة البناء والتبلورأصلا، وحتى الدولة الجديدة التي راحت

تعمل على عملية بناء أمة جديدة تصهر فيها كل المجموعات اليهودية الإثنية، اللغوية والثقافية وإنتاج الإسرائيلي الجديد أقصت العرب من هذه العملية. لم يكن هذا السلوك السياسي نابعا من أسرلة على مستوى الوعي، بل نابع من وعي سياسي يبغي البقاء في القرية، على الأرض، في فترة كانت فيها صدمة النكبة، والأدق حقيقة الخوف من النكبة او نكبة جديدة ما زال حاضرا. لم يكن العرب متأثرين من صدمة النكبة، فالصدمة تحدث بعد انتهاء الحدث، بل الخوف من نكبة، وهو ما دفعهم للتصويت لقوائم عربية تعبر عن انصياعهم للسلطة الجديدة من أجل البقاء. ليس لهذا السلوك علاقة بالاسرلة، لان الاسرلة أصلا لم تكن خيارا، لأنها أولا لم تكن متبلورة من جهة، ولأن إسرائيل اعتبرت أصلا واقعا مؤقتا في ذلك الوقت. وإذا كان يُقصد بالأسرلة في حينه مجرد الموافقة على قبول المواطنة الإسرائيلية في دولة تأسست خلال\بعد تهجير الشعب الفلسطيني، فهي ليست أسرلة على مستوى الوعي، بتعبير بشارة، بل سلوك عقلاني ينسجم مع فكرة الخضوع والهزيمة والخوف.

وحتى لو اعتبرنا جدلا هذا السلوك بأنه أسرلة على مستوى الوعي تم ترجمته لأسرلة على مستوى السلوك. فإنه نبع من الخوف والشعور بالهزيمة. إذن هناك أسرلة على مستوى الوعي وأسرلة على مستوى السلوك. وليست الثانية بالضرورة نابعة من الأولى. ولكن أسرلة الوعي تدفع إلى حالة متطرفة من أسرلة السلوك. بعد توقيع اتفاق اوسلو في سبتمبر/أيلول 1993، كانت هناك موجه من الأسرلة على مستوى الوعي تمثلت هذه الأسرلة في الرغبة في الاندماج في إسرائيل في إطار حل الدولتين لشعبين. دولة للشعب الفلسطيني على حدود العام 1967 ودولة يهودية. لم يطرح موضوع الطابع اليهودي للدولة كبنية ومضمون في ذلك الوقت. تمثلت الأسرلة في الاعتقاد أن الصراع انتهى بحل الدولتين لشعبين، وأن إسرائيل ستكون بحالتها الجديدة، دولة غير محتلة دولة مساواة لجميع مواطنيها، وكأن الاحتلال عام 1967 كان السبب وراء مكانة الفلسطينيين في إسرائيل. الحقيقة ان هذا الوعي تم إنتاجه عبر منظومة تفكير أكاديمية مهيمنة في الأكاديميا الإسرائيلية التي كانت تربط بين حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بعد عام 1967 وبين مكانة الفلسطينيين في إسرائيل، ولكنه أيضا كان جزءا من الفكر السياسي للتيار السياسي المهيمن آنذاك في الحقل السياسي الإسرائيلي، الجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي الذي كان شعاره حل الدولتين لشعبين ومساواة. بناء على ذلك يمكن القول إن الأسرلة في الثمانينيات والتسعينيات تمثلت في أسرلة وعي الفلسطينيين في إسرائيل الناتج عن خطاب سياسي مهيمن. الأسرلة في سنوات الحكم العسكري تمثلت في أسرلة سلوك الفلسطينيين في إسرائيل الناتج عن حالة الخوف ورغبة البقاء.

استطاع الفكر السياسي للفلسطينيين بعد أوسلو المتمثل في ربط مكانة الفلسطينيين في إسرائيل مع الطابع اليهودي للدولة، وربط مسألة الاحتلال مع الطابع الاستعماري الاستيطاني للحركة الصهيونية إعادة تشكيل الوعي والخطاب السياسيين للفلسطينيين، تمثل هذا الفكر في التجمع الوطني الديمقراطي برئاسة الدكتور عزمي بشارة، وصعود خطاب أكاديمي فلسطيني جديد ناقد للمنظومات الأكاديمية الإسرائيلية المهيمنة، غيّر هذا الفكر والمنظومة الجديدان الخطاب السياسي للفلسطينيين بدرجات متفاوتة في صفوف التيارات السياسية والنخب السياسية والاكاديمية والثقافية. ساهم فترة ما بعد أوسلو في انشقاق الحركة الإسلامية، منها جناح لا يراهن على خطاب المواطنة، ولكنه تحدى سياسات الدولة عبر عمل أهلي منظم.

اذا أردنا أن نلخص هذه المسألة حتى الآن. إذا قارنا بين الأسرلة في فترة الحكم العسكري، والأسرلة في الثمانينيات وبعد أوسلو. يمكن القول ان الأسرلة الأولى نبعت من حالة خوف ناتجة عن سياسات إقصاء من طرف إسرائيل، أما الأسرلة في سنوات الثمانينيات فنبعث من تبلور فكر سياسي في صفوف الفلسطينيين ربط بين المكانة المدنية في إسرائيل وبين حل الدولتين لشعبين، وبعد أوسلو ظهرت الأرلة كنتاج مباشر لهذا الفكر، وساعد على ذلك وجود حكومة إسرائيل كانت (حكومة رابين 1992-1995) تسعى إلى دمج العرب، واستعانت بالأحزاب العربية ككتلة مانعة للحكومة مقابل تمرير اتفاق أوسلو في الكنيست.

تدفعني هذه القراءة إلى طرح تحول جديد في مفهوم الأسرلة والذي تطور في السنوات الأخيرة، ويمكن القول إن تعثر الثورات العربية، وما كانت تحمل من أمل لنهضة الأمة، وما آلت إليه من حروب وصراعات داخلية دموية ومدمرة، كان العامل الأساسي في صعود الأسرلة الجديدة. فما هي الأسرلة الجديدة، اذا كانت الأسرلة الأولى نابعة من الخوف وتمثلت في سلوك مؤسرل، والثانية كانت أسرلة في الفكر السياسي تمثلت في خطاب سياسي يربط بين المكانة المدنية في إسرائيل وبين حل الدولتين لشعبين دون نزع الصفة الصهيونية عن إسرائيل، والثالثة كانت أسرلة على مستوى الوعي تمثلت في ممارسات مؤسرلة ترى أن الحل في اندماج الجماهير العربية في إسرائيل والتماهي مع سلوكيات إسرائيلية مثل التصويت لأحزاب صهيونية عن قناعة (ليس خوف) وحتى رفع أعلام إسرائيل وعودة الاحتفال باستقلال إسرائيل. أما الأسرلة الجديدة فهي أسرلة مختلفة، غير نابعة من الخوف، ولا مربوطة مع خطاب سياسي له صلة بالقضية الفلسطينية، ولا خطاب يطالب بالاحتفال بإسرائيل والاندماج الجماعي. إنها أسرلة تتميز بنزعة الخلاص الفردي. خلاص فردي ينطلق من اعتبار أن خيار الفرد للتقدم يكون عبر الاندماج في اللعبة الإسرائيلية حصرا، فضلا عن أن هذا الاندماج يكون فرديا، لأنه لا يمكن أن يكون الاندماج جماعيا في دولة كإسرائيل، فقط اندماج فردي. وأنا أطلق على هذه الاندماج شكلا من أشكال الأسرلة. وتحديدا مصطلح أسرلة بوعيّ. وليست نابعة من الخوف كما كان في سنوات الحكم العسكري، ولا نابعة من انبهار كما كان في بداية التسعينيات بعد توقيع اتفاق أوسلو، ولا عن جهل أو انتهازية شخصية، بل عن وعيّ بذلك. ولاحظ أن حالة الاسرلة الراهنة تتعاظم في الفترة التي تحكم فيها حكومة هي الأشد تطرفا في تاريخ إسرائيل وفقا للسياق التاريخي الذي نعيشه. في التسعينيات ظهرت حالة الأسرلة في ظل حكومة رابين التي ذهبت إلى تسوية مع منظمة التحرير الفلسطينية، وكان هنالك أجواء أن الدولة الفلسطينية على الطريق، وكان هنالك مشاركة للأحزاب العربية في الحكومة ككتلة مانعة من الخارج، وتم انفاق مليارات الدولارات على السلطات المحلية العربية. الآن نحن في حالة أسرلة في ظل حكومة تقصي العرب، وتلاحقهم، وتشرع قانون القومية، وتدمر المشروع الوطني الفلسطيني. لذلك فإن تعظيم سياسات التمثيل في هذا السياق في السياسة العربية يعزز من الأسرلة. الأسرلة بوعي تنطلق من أن الخلاص الفردي يكون بالاندماج، والأسرلة هنا ليست تشوه في الهوية بالضرورة، قد يكون صاحبها يملك الوعي الوطني أو الحس الديني، ولكن مقصدها أن الخلاص هو فردي وليس جماعيا، الخلاص هو الاندماج كفرد متميز ومتفوق وناجح، وليس ضمن بناء مشروع سياسي جماعي، الأسرلة بوعي هي نزع السياسة عن المشروع الخلاصي الفردي. وإذا نزعت السياسة عن تفكيرك، قلّ انتماؤك لمشروع سياسي جماعي.

المساهمون