حرب إسرائيل على غزة تثير انقسامات في الكونغرس الأميركي

حرب إسرائيل على غزة تثير انقسامات في الكونغرس الأميركي

14 نوفمبر 2023
احتجاج موظفين بالكونغرس على سياسة بلادهم اتجاه الحرب الإسرائيلية (جلال غونيش/الأناضول)
+ الخط -

في يوم الأربعاء الماضي، 8 نوفمبر/ تشرين الثاني، وُضعت أكثر من عشرة آلاف زهرة، ترمز إلى الضحايا المدنيين في الحرب الإسرائيلية على غزة، على درج مبنى الكابيتول في العاصمة الأميركية واشنطن.

هذه الأزهار أحضرها أكثر من 100 من موظفي الكونغرس الأميركي الذين تجمّعوا أمام المبنى، وهم يرتدون أقنعة، في وقفة احتجاجية بحسب صحيفة "نيويورك تايمز" التي قالت إن هذه الوقفة جاءت "تكريماً للمدنيين الذين قُتلوا في الحرب الدائرة وللدعوة إلى وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن الذين تحتجزهم حماس". وتعتبر هذه الوقفة الأحدث في سلسلة من الإجراءات التي اتخذها موظفون في الكونغرس، جميعهم تقريباً مجهولون، لحث أعضاء الكونغرس علناً على الدعوة إلى وقف إطلاق النار في غزة.

يخفون أسماءهم

وقال ثلاثة من الموظفين، الذين رفضوا جميعاً ذكر أسمائهم، للصحيفة الأميركية "نحن موظفون في الكونغرس ولم نعد قادرين على البقاء صامتين. ناخبونا يطالبون بوقف إطلاق النار، ونحن الموظفين الذين نجيب عن اتصالاتهم، معظم رؤسائنا في الكونغرس لا يستمعون إلى الأشخاص الذين يمثلونهم". وأضاف الموظفون "نطالب قادتنا بـ: الدعوة إلى وقف إطلاق النار والإفراج عن جميع الرهائن والوقف الفوري للتصعيد الآن".

وتبقى الغالبية العظمى من المشرعين في مجلسي النواب والشيوخ، سواء من الديمقراطيين أو من الجمهوريين، رافضة لإطلاق أي دعوات لوقف إطلاق النار ومصرة في الوقت نفسه على التمسك بمقولة "لإسرائيل الحق في ملاحقة حماس بعد هجومها في جنوب إسرائيل"، ومن المعروف أن معظم النواب من كلا الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، مؤيدون بشدة لإسرائيل.

ومع هذه المواقف المتشددة لأعضاء الكونغرس، وجد العديد من مساعدي أعضاء الكونغرس الديمقراطيين، ومعظمهم تحت سن 35 عاماً، أنفسهم في خلاف واضح مع رؤسائهم وإدارة جو بايدن بشأن قضية ذات أبعاد أخلاقية. وتقول "نيويورك تايمز" إنها تحدثت لعشرة منهم ورفضوا جميعاً ذكر أسمائهم خوفاً من تعريض وظائفهم للخطر والتسبب في هجمات شخصية.

ولما فشلت مساعيهم في تغيير آراء أعضاء الكونغرس الذين تتطلب مهنتهم الدفاع عنها حتى لو خالفت قناعاتهم، قرروا التحدث علناً، مع إخفاء معظمهم أسماءهم، في خروج ملحوظ عن قاعدة الكابيتول هيل (مبنى الكونغرس) الأساسية التي تنص على أن المساعدين يجب أن يظلوا في الخلفية وألا يعارضوا الرئيس أبداً علناً.

وقال جيريمي سليفين، أحد كبار مستشاري النائبة إلهان عمر، وهي ديمقراطية من ولاية مينيسوتا ومن بين أعضاء الكونغرس القلائل في حزبها الذين دعوا إلى وقف إطلاق النار، إن "ما يحدث مروع للغاية، ومن الضروري جداً أن تكون قادراً على معارضة قصف مخيم للاجئين على سبيل المثال"، مضيفاً حول النقاشات داخل الكونغرس "ويبدو الأمر كما لو أن المحادثة هنا منفصلة تماماً عن الواقع على الأرض في إسرائيل وغزة، ولكن أيضاً عن واقع آراء ناخبيهم وموظفيهم".

لا تنشروا آراءكم علانية!

وإلى جوار الموظفين المعارضين للحرب هناك آخرون لا يخفون تأييدهم لإسرائيل، على عكس زملائهم في العمل الذين يتحدون رؤساءهم، ولكن هؤلاء لا يخفون أسماءهم بطبيعة الحال، مثل آدم جينتلسون، كبير موظفي السيناتور جون فيترمان من ولاية بنسلفانيا، الذي وصف وقف إطلاق النار بأنه "غير واقعي ويعرض المزيد من الأبرياء للذبح"، في انسجام مع  فيترمان، ديمقراطي تقدمي، الذي يدافع علناً عن إسرائيل ويدعم هدنة لأسباب إنسانية ولكن ليس وقفاً لإطلاق النار.

ومع تزايد مظاهر اعتراض الموظفين بادر بعض النواب لتحذير مساعديهم بعدم التعبير عن ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي، وطالب جينتلسون في رسالة بالبريد الإلكتروني إلى مساعديه، في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول، باللجوء إلى التوقيع على رسائل مفتوحة دون الكشف عن هويتهم لشرح آرائهم (وهو أسلوب متبع في المؤسسات الأميركية لإتاحة المجال للموظفين التعبير عن آرائهم دون كشف هويتهم)، محذراً من اللجوء إلى وسائل التواصل الاجتماعي أو التعليقات التي تتعارض مع مواقف السيناتور فيترمان فهي "محظورة".

ويلعب المساعدون عادةً دوراً مهماً خلف الكواليس في تقديم المشورة وتوجيه المواقف السياسية للمشرعين، لكن مظاهر الخلاف العلنية الكبيرة، بما في ذلك الإضراب الذي حدث الأسبوع الماضي في مبنى الكابيتول وموجة من الرسائل المفتوحة إلى المشرعين، تعكس انقساماً عميقاً بين الأجيال بين الديمقراطيين حول المدى الذي يمكن أن يذهب إليه انتقاد الحملة العسكرية الإسرائيلية.

وفي الأسابيع القليلة الماضية، وقع المئات من الموظفين على رسائل تدعو أعضاء الكونغرس إلى الموافقة على وقف إطلاق النار، وظهر العشرات في المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين، بما في ذلك على بعد خطوات من البيت الأبيض حيث رفع البعض لافتات كتب عليها "الكونغرس، موظفوك يطالبون بوقف إطلاق النار".

وجاء في إحدى هذه الرسائل المفتوحة، التي قادها مساعدون يهود ومسلمون ووقعها أكثر من 550 موظفاً حتى 9 نوفمبر/ تشرين الثاني "إن أصوات أعضاء الكونغرس تتمتع بقوة هائلة" وعليهم استخدام تلك القوة لحماية المدنيين المعرضين للخطر.

واتهم الموقعون، بحسب "نيويورك تايمز"، أعضاء الكونغرس بتجاهل محنة المدنيين الفلسطينيين الذين قُتلوا في الحرب الإسرائيلية على غزة، بينما ركزوا بشدة على المدنيين الإسرائيليين، وجاء في الرسالة "نحن نقدر رؤية كل عضو في الكونغرس تقريباً يعبر عن تضامنه السريع والقاطع مع الشعب الإسرائيلي، لكننا نشعر بقلق عميق لأن مثل هذه العروض الإنسانية بالكاد تمتد إلى الشعب الفلسطيني".

وفي الوقت نفسه تقريباً، كتب 500 موظف سابق في حملة بايدن لعام 2020، الذين يطلقون على أنفسهم اسم "خريجو بايدن من أجل السلام والعدالة"، رسالة مفتوحة تدعو إلى وقف إطلاق النار. وحذروا من أنه "إذا فشلت في التصرف بسرعة، فإن إرثك سيكون التواطؤ في مواجهة الإبادة الجماعية".

ووقع أكثر من 400 موظف سابق في حملة السيناتور إليزابيث وارن لعام 2020 على رسالة مماثلة موجهة إلى المرشح الديمقراطي عن ولاية ماساتشوستس، كما فعل 400 مساعد سابق لحملتي السيناتور بيرني ساندرز لعامي 2016 و2020.

وقد رفض السيد ساندرز، وهو مستقل من ولاية فيرمونت، الدعوات لوقف إطلاق النار، ودعا هو والسيدة وارن إلى التوقف مؤقتاً للسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين، وقالت وارن في مقابلة تلفزيونية "أنا فخورة جداً بالأشخاص الذين يقاتلون من أجل ما يؤمنون به"، وتجنبت الإجابة عن سؤال حول ما إذا كانت قد ناقشت وقف إطلاق النار مع مساعديها الحاليين. 

حرس قديم

وأصبح النقاش أكثر سخونة وأكثر فوضوية في مكاتب الكونغرس الأخرى، كما استقال آدم رامر الذي كان المدير السياسي للنائب "رو خانا"، ديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا، بعد أقل من أسبوع على تسلمه منصبه عندما رفض خانا الدعوة إلى وقف إطلاق النار وقال إن هناك مجموعة من الآراء داخل مكتبه، لكن التزامه كان تجاه ناخبيه.

ويقول وليد شهيد، مساعد سابق في الكونغرس، "يشعر الكثير من الموظفين أنهم يعيشون في عالم مقلوب رأساً على عقب، ينبغي عليهم أن يذهبوا إلى العمل ويحنوا رؤوسهم، ويصدروا بيانات من رئيسهم الذي لا يتفقون معه مطلقاً".

وأضاف شهيد أن الخلاف كان نتيجة الانفصال بين الأجيال الذي يمكن أن يضر الديمقراطيين انتخابياً في عام 2024، موضحاً أن "الحرس القديم في الحزب الديمقراطي لديه وجهة نظر عفا عليها الزمن حول مدى الدعم غير المشروط الذي يقدمه ناخبوهم لإسرائيل. هناك جيل جديد من الناخبين الديمقراطيين الذين يريدون أن يكونوا أكثر إنصافًا عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع حياة الإسرائيليين وحياة الفلسطينيين على قدم المساواة".

المساهمون