الفلسطينيون و"ديكتاتورية الجغرافيا"

الفلسطينيون و"ديكتاتورية الجغرافيا"

11 يونيو 2021
الصورة
رجل وأطفاله في مخيم شاتيلا للفلسطينيين في لبنان (فرانس برس)
+ الخط -

نحت فلسطينيو السبعينيات والثمانينيات مصطلح "ديكتاتورية الجغرافيا" لوصف سيرهم على رمال عربية رسمية متحركة، وتناقض الخطابين السياسي والإعلامي للأنظمة: مع فلسطين، لكن من دون صداع مواجهة المحتل. في المشرق العربي، ومنذ عام 1970، كانت التجربة الفلسطينية أكثر احتكاكاً وتنافراً ودموية الأثمان مع اختيار النظام السوري بقيادة حافظ الأسد التعامل مع القضية من منظورين أمني وسياسي انتهازي. أسس الأسد "تيمناً بفلسطين"، فرعي "فلسطين" و"الضابطة الفدائية"، لتلاحق مخابراته الفلسطينيين والسوريين والعرب الملتحقين بالعمل الفلسطيني، خصوصاً في العاصمة اللبنانية بيروت، التي شكّلت متنفساً عربياً للحرية، حتى اجتياحها من قبل الاحتلال الإسرائيلي عام 1982.

تجربة فلسطينيي الثمانينيات مع الأسد، بشق صفوفهم، واعتبار الزعيم الراحل ياسر عرفات "شخصاً غير مرغوب فيه" في دمشق عام 1983، كانت الأكثر تكثيفاً لمعاني ديكتاتورية الجغرافيا. فأنتجت تعاملاً مع الفلسطيني، على طريقة جهاز الأمن الداخلي للاحتلال "الشاباك" كمشبوه أمني، بسبب خوف الأنظمة من مرحلة "الكفاح المسلح" لدى فصائل منظمة التحرير الفلسطينية.

ذلك الواقع المعقّد وضع الفلسطينيين أمام حالات لا تطاق في حروب جانبية وعبثية، كحرب المخيمات في لبنان، في أواسط الثمانينيات، التي خاضتها حركة "أمل" بقيادة رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، بدعم نظام الأسد، للاستحواذ على ما سمي "الورقة الفلسطينية". وسعت أنظمة أخرى، مثل العراق وليبيا للإمساك بالورقة الفلسطينية. وأمام ما يشبه استمرارية التجربة، ولو بأدوات مختلفة، يصبح من الصعب فهم تكرار إثارة حركة "حماس" للجدل السياسي والإعلامي، بتوزيع الثناء والشكر على أطراف يعاني منها الشارعان العربي والفلسطيني.

وعليه، إذا كان بعض تيار الإسلام السياسي يعتب ضمنياً على "حماس"، فإن الحالة الفلسطينية عموماً تحتاج مراجعة أشمل من إيجاد مبررات وأعذار. فقد جربت حركة "فتح" واليسار الفلسطيني، الجبهتان الشعبية والديمقراطية، بوجود قيادات تاريخية، رفض الاستلاب الانتهازي والمساومة على وحدة منظمة التحرير، أو الخضوع لسياسات دمشق بين عامي 1983 و1987.

وعليه، فلا انخراط تيار، يحمل صفة القدس وفلسطين، في حروب نظام الأسد بدعم إيران ضد شعبه والفلسطينيين، ولا مواقف السلطة في رام الله منه، وعجزها عن إطلاق آلاف المعتقلين في سجونه، أو عودة مهجري مخيم اليرموك، ولا مواقف "حماس" الإعلامية بعد الحرب على غزة، تصب في تنظيرات "العمق الجماهيري العربي" للقضية.
نعم الحالة الفلسطينية ليست كحالة فيتنام، في امتداد دعم مقاومتها في الجوار. ورغم ذلك لا يمكن، مع اتضاح أصالة مكانة فلسطين عند الشارع في ظلّ معاناته القهرية الذاتية مع أنظمة القمع، الركون إلى مبررات متناقضة.

في هذا السياق لا بد من فهم ما تثيره المواقف في الشارع السوري والعربي، في عتبه على ذهاب جزء من حركة تحرر وطني فلسطينية، بيمينها ويسارها، نحو منح من يسفك دمهم "مشروعية نضالية"، تحت علم واسم فلسطين والدعاء بـ"الموت لإسرائيل"، فيما من يموتون هم عرب، من اليمن إلى العراق وسورية. نعم يمكن لشعار "عدم التدخل بشؤون الدول" أن يكون ناظماً، لكن هل يطبق النظام العربي ذلك على الساحة الفلسطينية؟ وهل في مسائل حرية وكرامة الشعوب مساومة أو تجزئة؟

يخطئ العرب أيضاً في الدفع بحالة فلسطينية نحو إيران، وغيرها في الإقليم، ليس فقط بفضل ملاحقة الفعل المؤيد للنضال الفلسطيني والتضييق الأمني عليه، بل لسيرة طويلة من شيطنة القضية الفلسطينية. وبالتأكيد إن الحالة الفلسطينية ليست حالة طهرانية، خصوصاً لناحية عدم إمكانية حصول مراجعة حقيقية وعميقة لمواقف غير صائبة في أزمنة الماضي، كي لا تقع في مطبات مشغول عليها أمنياً وسياسياً، بشكل غير خفي على أصحاب التجربة، وعلى مثقفي الحرية والعدالة بين الفلسطينيين.

وإلى جانب الظروف الموضوعية الصعبة للحالة الفلسطينية لا بد من الاعتراف بأن ثمة حالة مرضية مهيمنة منذ 20 سنة، تسترعي عملاً أبعد من مجرد "حكم توافقي" أو "انتخابات تشريعية". ومرة أخرى يعود السؤال المكرر: هل تستطيع الحالة الفلسطينية التصرف متحللة مما كبلت نفسها فيه تحت سقف "اتفاقية المبادئ في أوسلو"، لتضع عربة التحرر الوطني أمام أحصنتها، بدل الغرق في مكاسب السلطوية، في الضفة وغزة؟ وأمام تشريع الاحتلال دولة "الأبارتهايد"، والإصرار الشعبي الفلسطيني، في الداخل والخارج، على نيل الاستقلال والحرية، مدعوماً بشارعين عربي ودولي، هناك ما يستدعي وقفة حقيقية مع الذات، ومراجعة عميقة للأدوات والسياسات.

المساهمون