الانتخابات التركية: استحقاق استثنائي بارتدادات تتخطى الداخل

الانتخابات التركية: استحقاق استثنائي بارتدادات تتخطى الداخل

14 مايو 2023
لافتة تحمل صورة أتاتورك في أنقرة أمس (إيف هيرمان/رويترز)
+ الخط -

تقف تركيا أمام استحقاق قد يشكّل منعطفاً في مسارها، مع الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الاستثنائية التي تشهدها اليوم الأحد، إذ إن نتائج الاقتراع ستؤثر على سياساتٍ، لا في الداخل التركي فحسب الذي عاش طوال الحملة الانتخابية على وقع استقطاب حاد، بل على المنطقة وخارجها حتى نظراً للدور التركي الإقليمي والدولي الذي تنامى على مدى السنوات الماضية وما فرضه من تبدل علاقات أنقرة، إيجاباً أو سلباً بعدد من الدول.

كما تتجه أنظار اللاجئين السوريين الذين يعيشون في تركيا، إلى نتائج الانتخابات خوفاً من تداعيات سلبية تطاولهم في حال خسارة الحزب الحاكم، لا سيما بعدما نادت قوى معارضة عدة خلال الفترة الماضية بضرورة ترحيل اللاجئين الذين تستضيفهم تركيا سواء من سورية أو غيرها من الدول المجاورة التي شهدت أزمات، وقدمت هذه القوى تعهدات بتنفيذ الترحيل في حال فوزها في الاستحقاق الانتخابي. وبحسب الأرقام الرسمية، فإنه حتى 4 مايو/أيار الحالي يوجد 3.559.909 لاجئين مسجلين تحت بند الحماية المؤقتة، في حين لا يشمل الرقم المقيمين بشكل رسمي أو المجنسين.

توقعات متعددة لنتائج الانتخابات

وتتعدد التوقعات والسيناريوهات للنتائج وما ستفضي إليه، لا سيما في ظل المنافسة الشديدة بين الرئيس رجب طيب أردوغان على رأس التحالف الجمهوري، ومرشح المعارضة كمال كلجدار أوغلو على رأس تحالف الشعب.

أردوغان الذي يحكم البلاد منذ أكثر من 20 عاماً، وتحديداً منذ توليه رئاسة الحكومة لأول مرة عام 2003 ثم رئاسة البلاد منذ 2014، يواجه ما قد يكون أصعب تحدٍ سياسي له، بوجه معارضة نجحت أحزابها الستة الرئيسية (الشعب الجمهوري، الجيد، المستقبل، السعادة، دواء، والديمقراطي)، في التوحّد ضمن تكتل معارض واحد، مقدّمة كلجدار أوغلو منافساً قوياً لأردوغان على رأس السلطة.

يواجه أردوغان ما قد يكون أصعب تحدٍ سياسي له، بوجه معارضة نجحت أحزابها الستة الرئيسية في التوحّد ضمن تكتل واحد

كما نجح هذا التحالف في الحصول على دعم حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، الذي له حضور كبير في الشارع الكردي. وتراهن المعارضة على شعار التغيير، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد وتراجع قيمة العملة التركية، مع ارتفاع التضخم ووصوله إلى نسبة 85 في المائة في الخريف الماضي. كما تلعب هذه المعارضة ورقة اللاجئين السوريين مع تبنيها مطلب إعادة هؤلاء إلى بلادهم سريعاً.

في المقابل، يعوّل أردوغان على ما حققه خلال عقدين من الحكم، من نهضة اقتصادية وعمرانية ومعيشية كبيرة، وأمّن لتركيا استقراراً كبيراً، قبل السقوط في فخ التضخم منذ نحو عام. يُضاف إلى ذلك استغلال أردوغان موقعه لرفع أجور العمال، وافتتاح مشاريع جديدة، وإطلاق وعود بتنفيذ أخرى في حال إعادة انتخابه.

ويحظى الرئيس التركي بدعم أحزاب الحركة القومية، والوحدة الكبرى، والرفاه من جديد، وهدى بار الكردي الإسلامي، واليسار الديمقراطي، وهي أحزاب تكتلت مع العدالة والتنمية في التحالف الجمهوري. وإضافة إلى أردوغان وكلجدار أوغلو، يتنافس في الانتخابات الرئاسية أيضاً مرشح تحالف "أتا" سنان أوغان، فيما انسحب زعيم حزب البلد محرم إنجه يوم الخميس الماضي.

وتأتي هذه الانتخابات أيضاً بعد نحو ثلاثة أشهر من الزلزال الذي ضرب جنوب تركيا في 6 فبراير/ شباط وأدى إلى مقتل أكثر من 50 ألف شخص وتشريد مئات الآلاف الذين دُمرت منازلهم بشكل كامل. وفي حين سارع أردوغان للوقوف إلى جانب المنكوبين وتقديم ما يمكن من مساعدات لهم، مع وعود بإعمار المنازل المدمرة سريعاً، فإنه واجه في المقابل انتقادات بعدما كشف انهيار المباني الواسع عدم الالتزام بالشروط المنصوص عليها في البناء لمقاومة الزلازل. كما أن شكوكاً كثيرة تحيط بمشاركة المنكوبين في الانتخابات على الرغم من تأمين العملية اللوجستية لذلك.

وفي ظل هذه المعطيات، كانت أرقام استطلاعات الرأي تتضارب، بين التي تُظهر تقدّم أردوغان، وأخرى تفوّق منافسه كلجدار أوغلو، لكن الواضح كان التقارب الكبير بينهما، وسط توقعات بعدم نجاح أي منهما في الحصول على نسبة 50 زائد واحد المطلوبة للفوز، وبالتالي التوجه إلى جولة ثانية ستُعقد في 28 مايو/ أيار الحالي. ولا تتمحور المنافسة على الاستحقاق الرئاسي فحسب، بل للانتخابات البرلمانية أهميتها الكبيرة أيضاً، نظراً للدور الكبير الذي يؤديه البرلمان في البلاد، على الرغم من الانتقال إلى النظام الرئاسي.

تحديد توجهات تركيا

وستحدد الانتخابات البرلمانية والرئاسية توجهات البلاد لخمس سنوات مقبلة، وهو استحقاق ينتظره حزب العدالة والتنمية الحاكم لتأكيد شرعيته الشعبية مجدداً من الشارع التركي، فيما تبدو المعارضة متفائلة بإمكان التغيير هذه المرة وإطاحة حكم أردوغان الذي يطمح لاختتام مسيرته السياسية بفوز جديد.

التغيير الداخلي إذا تحقق فسيؤدي إلى تغييرات في السياسة الخارجية

ولهذه الانتخابات أيضاً أهمية إقليمية ودولية، لأن التغيير الداخلي إذا تحقق فسيؤدي إلى تغييرات في السياسة الخارجية، إذ تشتبك أنقرة بملفات عديدة مع دول الإقليم والمنطقة، ولديها علاقات متذبذبة معها، خصوصاً مع انخراطها بشكل مباشر في الصراع السوري، وفي ليبيا، إضافة إلى النزاع بين أذربيجان وأرمينيا، ودورها بين روسيا وأوكرانيا. وستحسم نتيجة الانتخابات مستقبل التواجد العسكري التركي في ليبيا والعراق وسورية، وانضمام السويد إلى حلف شمال الأطلسي الذي لم تعطه أنقرة الضوء الأخضر بعد، والعلاقة مع روسيا وأوكرانيا، والعلاقة مع دول عربية عدة كانت تمر بتوترات قبل أن تتحسن في الأشهر الأخيرة.

وسبق أن وصف حزب العدالة والتنمية هذه الانتخابات على لسان أردوغان بأنها "مفترق طرق"، فيما تعدها المعارضة "حاسمة".

ويحق لـ64 مليوناً و113 ألفاً و941 ناخباً المشاركة في التصويت، من بينهم 4 ملايين و904 آلاف و672 مواطناً يحظون بحق الاقتراع للمرة الأولى، للاختيار بين المرشحين الثلاثة للرئاسة، وبين 24 حزباً، من بينهم 5 تحالفات، و151 مرشحاً مستقلاً، في الانتخابات البرلمانية.

وسيكون على المقترعين التصويت على ورقتي اقتراع، الأولى للانتخابات الرئاسية، تتضمن أسماء المرشحين وهم أردوغان وكلجدار أوغلو وأوغان، إضافة إلى إنجه الذي بقي اسمه على الرغم من إعلان انسحابه. وفي الوقت نفسه ستكون هناك ورقة اقتراعية لنواب البرلمان لاختيار 600 نائب جديد.

ويعوّل التحالف الجمهوري على ناخبيه في مناطق البحر الأسود والأناضول وجنوب البلاد، فيما يركز تحالف الشعب على غرب البلاد حيث خزان الجماهير العلمانية الكمالية، وجنوب شرقه حيث الناخبون الأكراد، مع إعلان حزب الشعوب الديمقراطي الكردي دعمه كلجدار أوغلو.

ومع تقارب النتائج وفق استطلاعات الرأي التي سبقت الاستحقاق، فإن سيناريوهات متعددة ممكنة للمرحلة المقبلة. الأول يتمثل بفوز أردوغان بالرئاسة ولكن مع فقدان التحالف الحاكم الأغلبية في البرلمان، وهو ما سيقيّد يده في الحكم ويقوي دور المعارضة. أما السيناريو الثاني فهو فوز أردوغان بالرئاسة وتحقيق تحالفه الأغلبية البرلمانية، وهنا يعني استمرار الأوضاع كما هي عليه.

السيناريو الثالث يتمثل بفوز كلجدار أوغلو بالرئاسة، ولكن خسارة المعارضة الأغلبية البرلمانية، ما سيجعله مقيّداً أيضاً. والسيناريو الرابع أن يفوز تحالف الشعب المعارض بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وعندها ينتقل أردوغان وحزبه وتحالفه إلى صفوف المعارضة. وعلى الرغم من التوقعات والأرقام التي قدمتها استطلاعات الرأي، إلا أن الانتخابات توصف بأنها مليئة بالمفاجآت المختلفة في تركيا، فالساعات الأخيرة وتطوراتها قد تغير مسار الانتخابات، لا سيما إذا حصلت أخطاء وتسريبات.

المعارضة التركية متفائلة

وعن السيناريوهات المنتظرة في الانتخابات، قال نائب رئيس حزب السعادة، المرشح للبرلمان، بولنت كايا، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن "الأجواء إيجابية لدى تحالف الشعب، والانطباعات السائدة عندنا أن المرشح الرئاسي كمال كلجدار أوغلو سيحسم الانتخابات من المرحلة الأولى بتجاوزه حاجز 51 في المائة من الأصوات، من دون الحاجة إلى المرحلة الثانية، وهو أمر إيجابي أيضاً".

كايا: الانطباعات السائدة عندنا أن كلجدار أوغلو سيحسم الانتخابات من المرحلة الأولى

ولفت كايا إلى أن "استطلاعات الرأي إيجابية أيضاً، والقناعة السائدة لدى تحالف الشعب هو الفوز بالأغلبية البرلمانية مع الانتخابات الرئاسية، وهو ما يعني أن تحالف الشعب سيحسم الانتخابات بشقيها"، مضيفاً "الأجواء ملائمة وكل شيء إيجابي ولا توجد أي سلبيات في التحالف، وستكون المرحلة الرئاسية مريحة لكلجدار أوغلو".

وشدد كايا على أن "تحالف الشعب لا يكترث لأي مرشح ينسحب"، رداً على سؤال حول تأثيرات انسحاب محرم إنجه من السباق الرئاسي. ولفت إلى أن "تحالف الشعب بنى استراتيجياته وخططه من دون أن يعتمد على انسحاب أي مرشح"، آملاً أن "تجري الانتخابات بهدوء وأن تشهد البلاد أجواء ديمقراطية هادئة، تتكلل بالخير لعموم المواطنين".

من ناحيته، قال المحلل السياسي، عضو حزب العدالة والتنمية، بكير أتاجان لـ"العربي الجديد"، إن "رهانات التحالف الجمهوري واضحة من خلال الحشد الشعبي الذي كان خلال الأيام الماضية في الميادين لصالح العدالة والتنمية، وخصوصاً الرئيس أردوغان، سواء في إسطنبول أو إزمير أو أضنة، أو أنقرة والمدن كلها".

واعتبر أن "هناك ثقة عمياء بالرئيس أردوغان من قِبل الشعب التركي، وأنه الوحيد القادر على إجراء تغييرات لصالح الشعب، وخصوصاً تغييرات اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية، من خلال ما حققه الحزب خلال الأعوام الماضية". ولفت أتاجان إلى أن "الكل يدرك أن تعهدات المعارضة غير قابلة للتحقيق على أرض الواقع، والدليل على ذلك أن وعوداً أطلقت قبل سنوات من قِبل حزب الشعب الجمهوري ورئيسه كلجدار اوغلو، وأيضاً من رؤساء البلديات في أنقرة وإزمير وإسطنبول، ولكن لم تتحقق هذه الوعود ولم يكن هناك سوى الكذب والخداع".

أتاجان: ثقة عمياء بالرئيس أردوغان من قِبل الشعب التركي

وأضاف: "لكل ما سبق، تأتي الرهانات لصالح العدالة والتنمية ورئيسه رجب طيب اردوغان، خصوصاً إذا ما أخذنا بعين اعتبار التجمع الجماهيري الحاشد في إسطنبول الأحد الماضي، وهذا الحشد الشعبي الكبير للرئيس أكد أن النتيجة سوف تكون لصالحه في هذه الانتخابات رئاسياً وبرلمانياً".

تفاوت في تطلعات الشارع

وفي الشارع التركي بدت حالة الترقب والقلق مسيطرة على إسطنبول أمس السبت، كما غيرها من المدن التركية، وسط انقسام في الآراء بين الأتراك.

المواطن التركي لقمان آلاكوش، أمل في تصريح لـ"العربي الجديد"، "أن تجري الانتخابات من دون أي مشاكل"، مضيفاً "كان صوتي دائماً إلى جانب الاستقرار، وأوضاع البلاد تحتاج إلى مزيد من الاستقرار، ومن هذا المنطلق صوتي سيكون للتحالف الجمهوري ممثلاً بالرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية".

من جهته، أفاد المواطن خليل أوزدمير، "العربي الجديد"، بأن "السنوات الأخيرة كان فيها استقرار وعمل وتحسن اقتصادي، وانتعش فيها عملي، وعلى الرغم من موجة غلاء الأسعار أخيراً إلا أني أرى أنها مؤقتة وهي أزمة عالمية، وصوتي سيكون لمصلحة الوطن والاستقرار". وكلمة الاستقرار دائماً ما يروجها حزب العدالة والتنمية وأردوغان في مؤشر إلى التصويت له.

أما المواطن محمد أوصلو، فكان له رأي آخر، وقال لـ"العربي الجديد" إن "البلاد بحاجة إلى التغيير بعد الأزمات الاقتصادية التي حصلت وغلاء المعيشة وارتفاع الأسعار، ومع طول حكم الرئيس أردوغان وإرهاقه، بات من حق البلاد أن تكون هناك دماء جديدة عبر التغيير، لهذا سيكون صوتي لصالح تحالف الشعب".

وتبدو أنظار الخارج متجهة أيضاً إلى هذا الاستحقاق، وكان نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية فيدانت باتل، قد قال إن بلاده ستواصل العمل مع أي حكومة يختارها الشعب التركي. وأضاف في مؤتمر صحافي، الاثنين الماضي، أن الانتخابات التركية المقبلة لن تحدث أي تغيير في العلاقات بين واشنطن وأنقرة. وأكد أن الولايات المتحدة لا تؤيد طرفاً ضد آخر في الانتخابات التركية المقبلة، مضيفاً: "أملنا الوحيد رؤية انتخابات حرة ونزيهة قائمة على العملية الديمقراطية".

من جهتها، دخلت روسيا في الحملة الانتخابية إذ اتهمها كلجدار أوغلو بالتدخّل في هذا الاستحقاق، ليرد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف رافضاً "هذه الاتهامات بشدة"، مشدداً في تصريح يوم الجمعة الماضي على أنه "ليس هناك أي تدخل" روسي في تركيا.