"7 يناير" الفرنسي

16 يناير 2015

إيمانويل فالس ووزراء في حكومته في تشييع ضحايا (يناير/2015/أ.ف.ب)

+ الخط -
لن تقل تداعيات جريمة "شارلي إيبدو" الفرنسية في 7 يناير/كانون الثاني عن آثار أحداث "11 سبتمبر" الأميركي، والفارق أن الولايات المتحدة، في ذلك الوقت، راحت تبحث عن العدو في الخارج، فأرسلت جيوشها إلى أفغانستان والعراق، بينما باشرت أوروبا بالاستنفار داخلياً، وأخذت "الميديا" والطبقة السياسية تعملان على صناعة العدو في الداخل. ولأن أوروبا تعاني من عجز وشيخوخة، فإنها في الطريق إلى الركون إلى عدو جاهز، لا يحتاج إلى جهد، وهو الإسلام، وهذا يعني أن 35 مليون مسلم في أوروبا باتوا متهمين حتى يثبت العكس. ولكن، كيف يمكن إثباته، وهل هناك مصلحة فعلية لإثبات العكس في موسم الاستثمار السياسي لجريمة "شارلي إيبدو"؟
هناك ترسانة جاهزة من القوانين سبق للولايات المتحدة أن طبّقتها في غمرة غضبها، تنطلق من "باتريوت آكت"، الذي قام على رمي العدالة جانباً، وإطلاق يد الأمن، لتصبح فوق المساءلة القانونية، من خلال التنصت الهاتفي ومراقبة البريد الإلكتروني والتحويلات المالية وتفتيش البيوت في غياب أصحابها، والاطلاع حتى على الملفات الطبية والعلاقات الشخصية، وهذا سيقود تدريجياً إلى الجرعة الثانية التي طبقتها الولايات المتحدة سنة 2006 تحت اسم "ميليتاري كويشن آكت"، التي أباحت للأمن كل التصرفات الخشنة، من تعذيب وملاحقة وحتى القتل خارج القانون. صحيح أن رئيس الوزراء الفرنسي، إيمانويل فالس، أعلن أن بلاده لن تلجأ إلى تطبيق إجراءات "باتريوت آكت"، لكن ما يلوح في الأجواء لا يقل هولاً عن ذلك.
ومَن يتأمل المشهد الفرنسي، بشقيه الإعلامي والسياسي، اليوم، يجد أن أوروبا سائرة نحو حروب داخلية. فصحيفة "لوفيغارو" اليمينية تعيش، منذ عدة أيام، على عنوان عريض واحد "فرنسا في حرب مع الإسلام الراديكالي"، وصحيفة "لوموند"، الرصينة إلى حد ما، رسمت لنفسها خطاً تحريرياً انطلاقاً من "تحديات ما بعد 11 يناير"، و"سؤال: إلى متى تدوم الوحدة الوطنية؟"، التي عبّر عنها الشعب الفرنسي في تظاهرات ذلك اليوم. ومن نظرة سريعة، يمكن الخروج باستنتاج مرعب، هو أن الماكينة الإعلامية ليست في وارد رسم خطوط عقلانية للرأي العام، وإنما الانخراط في الحملة التي تذكيها طبقة سياسية ضحلة، سواء في الحكم الاشتراكي، أو على مستوى المعارضة اليمينية، ولسوء حظ فرنسا، وأوروبا عموماً، أنها تمر بمنعطف تاريخي، من دون رجالات تاريخيين قادرين على توجيه الدفّة في الاتجاه الصحيح، فحتى فرصة النقاش الذي عاشته الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر تحت سؤال "لماذا يكرهوننا"؟ تبدو غير متوافرة في أوروبا اليوم. وهناك إجابة سهلة وجاهزة، "هم أشرار ويكرهوننا، وعلينا أن نواجه التحدي". وهذا ما يعكسه الإعلام في صورة فجة واستفزازية، من خلال العمل على تجريد المسلمين ووضعهم في الجهة الأخرى. والمسلم في نظرهم ليس متهماً، فهذا أمر مفروغ منه، لأن كل مسلم هو مشروع داعشي، انطلاقاً من شيطنة الإسلام نفسه. وتحت بند حرية التعبير، صار جوهر الدين الإسلامي محل تشكيك، الأمر الذي يقود إلى سيناريو كابوسي. وبدلاً من التركيز على الحدث نفسه الذي قام به جانحون من خريجي السجون، صار النقاش منصبّاً على الإسلام.
الجانب الخطير في الأمر أن الجاليات العربية والإسلامية في الغرب تبدو شبه عزلاء، ومن دون أدوات للدفاع عن النفس، من جهة. ومن جهة ثانية، يبدو أن قطاعاً واسعاً من رد الفعل الرسمي العربي يتصرف من منطلق قبول تهمة الإرهاب التي تلصق بالمسلمين. وهذه مسألة تحتاج إلى مراجعة سريعة، تقوم بها الحكومات ووسائل الإعلام العربية، من أجل وضع النقاش في مساره الصحيح، ووضع أسس للنقاش تتيح توزيعاً عادلاً للمسؤولية عن انفجار الإرهاب، من احتلال العراق، وحتى السكوت عن نظام بشار الأسد في سورية.
دلالات
شاعر وكاتب سوري من أسرة العربي الجديد
شاعر وكاتب سوري من أسرة العربي الجديد
بشير البكر
شاعر وكاتب سوري.
بشير البكر