5000 ليرة سورية

5000 ليرة سورية

31 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

من حيث المبدأ، ولأول وهلة، تبدو الصورة المرسومة على القطعة النقدية السورية الجديدة (جندي يضرب تحية للعلم السوري) حلوة، وتبعث في النفس الحماس؛ على الرغم من أن إصدار قطعة واحدة قيمتها 5000 ليرة أمر مرعب، ويوحي بأنه لم يعد أمامنا سوى وقت قصير حتى نرى العملة السورية تصلح للصَرّ في الدكاكين، أكثر مما تصلح للبيع والشراء.
لماذا الجندي الآن؟ لا يحتاج المرء كثيرَ ذكاءٍ ليقرأ الرسالة التي تريد السلطة الاستبدادية السورية إيصالها إلى الناس، ومفادها بأن الجندي العربي السوري الباسل هو الذي قضى على الإرهاب، وإذا ربنا لم يقصف عمره كالعود اليابس، لا شك في أنه سيطرد الأميركان، والروس، والإيرانيين، والأتراك، والصهاينة، من الأراضي السورية الطاهرة التي يحتلونها، ووقتها يؤدي بشارُ الأسد، بوصفه القائدَ العام للجيش، التحيةَ لبشار الأسد، بوصفه رئيساً للجمهورية، ويقول له: نُفّذت أوامركم، طردناهم.
إذا غضضنا النظر عن أغنية "محبوبي جندي بالجيش" التي غنتها الشحرورة صباح للجندي اللبناني، واستعارها الإعلام السوري، وصار يبثها ضمن برنامج "ما يطلبه المقاتلون"، وأغنية إيلي شويري "صف العسكر رايح يسهر فوق جبال"، وتلك الأغنية التي ترافقت مع نكسة حزيران 1967 وتقول: ميراج طيارك هرْب، مهزوم من نسر العرب .. وضربنا عرض الحائط بانحناء الممثل زهير عبد الكريم على حذاء الجندي الواقف على باب الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ليبوسه، وبكاء الممثل سلوم حداد متأثراً بمنظر الجندي البواب، ودعوة الوزير المتقاعد مهدي دخل الله مَن يريد العودة إلى سورية بأن يقبّل بوط الجندي، وما شابه ذلك من هذه التمثيليات الخطابية السخيفة .. نقول إن الجندي السوري المسكين، يعيش حياةً يبدو طعمُ الزفت والقطران ألذّ منها بكثير، ولهذا ترى السوريين الذين يُطلب أحدُ أبنائهم للخدمة العسكرية واقعين في حيص بيص، وما إن يستلم ابنهم الدعوة، حتى تشتغل عقولهم بكامل طاقتها، وتئز مثل الدبابير المحصورة في عش صغير: كيف سنؤمن لهذا الولد خدمة هينة؟ ومَن من معارفنا الضباط الكبار يمكن أن يخدمنا فيفرزه للخدمة في مكانٍ قريب ومريح؟ والأحسن، إذا كانت الأسرة غنية، أن يُفَيَّش.
"التفييش"، في الجيش العربي السوري الباسل، مشهورٌ أكثر من التشبيح ذاته، ويعني، ببساطة، أن يُسحب الفتى إلى الجيش بموجب مذكرةٍ ذات اسم يصلح للدواب أكثر من صلاحه للبشر (مذكرة سَوْق إلى خدمة العلم). يسلّم الفتى المسوق نفسَه إلى الجهة التي دُعي إلى الالتحاق بها، ويكون أهله متفقين مع ضابط كبير على أن يفرزه إلى قطعة عسكرية معينة، وهناك يتفقون مع ضابط كبير آخر يزيل اسمه من دفاتر التفقد، لقاء مبلغ شهري مقطوع، ووقتها يدير الفتى ظهره، ويعود إلى أهله سالماً غانماً .. ليعيش معهم بأمان واطمئنان، يشتغل في المحل التجاري الذي يمتلكه والده، أو محله الخاص، ويكسب مالاً كثيراً، ويركب سيارةً فخمة، يشفط بها على باب كلية الآداب، حتى إذا ملّ من حياة العزوبية يتقمص طريقة صباح فخري، ويذهب إلى أمه ويقول لها: العزوبية طالت علي، قومي خطبي لي يا ماما وحدة صبية .. فإذا سأل أهلُ العروس أهلَ الفتى: هل خدم عريسنا الغالي العسكرية؟ تتصدّر والدته إلى الوراء وتقول: يَما إبننا مفيَّش .. يعني عم يخدم عسكريته وهو بيناتنا.
وأما الجندي الذي يؤكد لنا إعلام الأسد أنه قضى على الإرهاب، ويضع صورته على الـ 5000 ليرة، فيذوق، بعد أن "يُسَاقَ" لخدمة علم بلاده، الذل والهوان والقهر والبرد في الأماكن الخطيرة، وعلى الجبهات، ويقوم بأعمال السخرة، والأعمال المجهدة كافة، ويُشْتَمُ، ويُسَبُّ، وأحياناً يُضْرَب، وتنطبق عليه حكاية الجندي الذي ركب في المقعد الأول بسيارة المبيت، فجاء أحد الضباط وزجره، وقال له: ارجع لورا. فقال: وين العدل؟ أنا في المعارك بكون قدّام، وفي سيارة المبيت بقعد ورا؟!