يوميّات "عرضحالجي" متنقّل

31 اغسطس 2023

(محمد عبلة)

+ الخط -

لا يمتلك حتى ترف الترابيزة القديمة وذلك الكرسي القديم، سواء أكان أمام البوستة أم المحكمة القديمة أو مركز الشرطة. ولا يمتلك أي هيئة خاصة تدلّ عليه، كما كان يحدُث قديما "الجاكت القديم المحنّط أو الطربوش المقلوب المغلوب على أمره"، ولكنه بجلبابٍ يمشي كالهائم، وأحيانا يُرى جالسا على المقهى يرتّب أوراقه، وغالبا ما يلتفت إلى اليمين واليسار في انتظار صاحب المصلحة، وحينما يأتي الزبون يتشاغل عامدا عن الزبون، حتى يطلب الزبون الشاي ويدخل يده في جيب الصديري، حينئذ يبتسم العرضحالجي، ويشير إلى القهوجي أن يجعل القهوة سادة، يبدأ الكلام الذي غالبا يكون سريعا.

يدخل مرّة واحدة في أمر صاحب "التوك توك" الذي حضر ورفع أولاده في وجهه السكاكين كي يبيع البيت الأربعة طوابق، وقد شيّده من عرق جبينه، وكان يعمل بالنخيل في السعودية 30 سنة، ولا يأتي إلا كل سنتين، ثم يعود إلى عمله في السعودية بالباخرة، حتى تعب وعاد كي يشتري "التوك توك". وببقية فلوسه، يشتري بيتا لأطفاله الصغار، ويترك البيت الكبير للكبار اتّقاء لشرورهم وسفالاتهم، يطمع عيّل كبير في بيع البيت الثاني الخاص بالصغار، كي يشتري "ميكروباص"، مثل الناس. يعضّ صاحب "التوك توك" يده، ويقول: "آه يا أيدي ال تعبت وبنت"، ويأخذ الصغار ويترك الجمل بما حمل للكبار.

تصل المحاضر إلى الشرطة، ويتم الصلح بعد سجن أحد الكبار أربعة أيام، ثم يفكّ أحد أولاده الكبار عجلتين من "التوك توك"، وبعد الصلح يأتي بهما، ويأخذ من والده مائة جنيه "حلاوة". يضحك الأب ويقول: "الحمد لله إن جت على الميّة"، فيضحك العرضحالجي، ويقول: "طيب ما كان التوك توك كله أحسن"، ثم يتحدّث مع القهوجي عن العربجي الذي فكّ جحشا من الجحشين من عربة ابن عمّه الكارو شرق الترعة، وباعه في مغاغة واعترف، وفي استمرار حبس من يومين، ثم ينتقل إلى لصوص الحمّام في موسم القمح بشباكهم. يضحك صاحب التوك توك، ويطمئنه على بقية أتعابه في المحضر القديم. يطلب العرضحالجي الأيسون، ويجري وراء زبون يدخل محلّ تصوير مستندات، ويأخذ منه عشرين جنيها بقية أتعابٍ قديمة. يعدّل صاحب التوك توك الشال، ويطمئن على "التوك توك" القديم جدا بجوار سيارة المطافي ويعود.

يبتسم العرضحالجي لوجه كوب الأيسون بعدما يعصر كيس الأيسون بالملعقة في جدار الكوب ويدخل في موضوع "قتيل ال 120 جنيها قبلي سمالوط"، يقول صاحب التوك توك: "أعرفهم أولاد المرحوم شعبان وأبوهم كان طيب والله"، يعيد العرضحالجي على نفسه ويتساءل "120 جنيها؟ ده موضوع مش مكمل نص كيلو لحم؟ إيه الهيافة دي؟" يسكت صاحب "التوك التوك"، ويقول القهوجي وهو يلمّ الأكواب الفارغة: "وهي ال 120 جنيه قليلة؟"، وينطلق المطرب أحمد سعد من داخل شاشة المقهى محاطا بالبنات: "اختياراتي مدمّرة حياتي"، فيضحك العرضحالجي، ويقول: "أهو ده طلق سميّة الخشّاب وال كان مع سميّة حياتي مدمرة؟ يا عيني".

يسكت تماما صاحب "التوك توك" ويقول للعرضحالجي: "المهم تحرّك لنا المحضر الخامس بتاع الولد الوسطاني ال ضربني بالروسيّة". ويسكت العرضحالجي تماما، ويقول لصاحب "التوك توك": "يا أبويا الحاج ال يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته، أنت مش شايف ال بيحصل عشان ال 120 جنيه، الدنيا نشّفت على الآخر يا برنس"، يضحك صاحب التوك توك ويشير للقهوجي من أجل الحساب، يمشي العرضحالجي لمحل تصوير المستندات ويطلب من صاحب التوك توك (الخمسين القديمة). يخرج صاحب التوك توك "عشرينة جديدة"، ويقول للعرضحالجي: "أنت ما تنساش حاجة أبدا"، يسكت العرضحالجي، ويسرح متسائلا: "أنسى إيه بس يابا الحاج؟".

يعود الضحك فجأة إلى وجه العرضحالجي، وهو يحكي عن موضوع المحامية تحت التمرين التي ضربت زميلتها بالروسيّة في السجل المدني. يبتسم صاحب "التوك توك"، وهو يدفع الحساب، وتمرّ سيارات وموتوسيكلات كثيرة أمام عرس. وفجاة تعبر سيارتان طول كل واحدة منهما ثمانية أمتار بالتمام والكمال، لا أعرف من أتى بهما إلى مدينةٍ صغيرة كتلك، وكنت قد رأيتُ مثلهما في مطار دبي سنة 1998، فابتسم للمشهد غير مصدّق. ويندهش العرضحاجي وهو يضرب كفّا بكفّ، ويفارق صاحب "التوك توك" المقهى، طالباً من العرضحالجي أن يتابع موضوع المحضر الأخير.