هذه البلاد القاسية

31 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

"في هذه البلاد القاسية، من الأفضل لك أن تموت على أن ترقد على أسرّة مشافيها للعلاج"... هذه الجملة المؤلمة كتبها صديق يعيش في سورية، وهو يرى ما يحدث في المشافي إثر انتشار فيروس كورونا اللعين. يقول لي الأصدقاء هناك: "لو حصل وأصبنا بالفيروس، سنبقى في بيوتنا بين يدي الله. إما نشفى أو نموت بكرامتنا بعيداً عن ذلّ المشافي". قرأت جملة الصديق هذه على صفحته على "فيسبوك". وبالمصادفة، كان المنشور الذي يليها مباشرة صورة أمام أحد أفران دمشق، حيث تم وضع قفص حديدي ليقف فيه المواطنون في انتظار حصولهم على بعض أرغفة الخبز. من الصعب وصف المشهد في الصورة. يخيّل للناظر إليه أن من وضع القفص أراد معاقبة السوريين على حاجتهم إلى الخبز. اعتقدت لوهلة أنني سوف أقرأ في منشور لاحق لصديق يعيش في سورية "في هذه البلاد القاسية، من الأفضل لك أن تموت جوعاً على أن تقف في قفص لانتظار حصولك على رغيف خبز". ثمّة صور أخرى للسوريين وهم يتدافعون، في ذروة كورونا، للحصول على الخبز، إذ يصبح كورونا شيئاً تافها أمام هول جوع أبنائهم، وأمام عجزهم عن تأمين أبسط حاجيات العيش. هل سيهتم من لا يجد الكهرباء والماء والخبز والمحروقات والدواء إن أصيب بفقدان حاسة الشم والذوق بسبب كورونا؟ تقول لي صديقتي التي تعيش هناك: ليت كورونا يجعلنا نفقد حواسّنا كلها بحيث لا نرى ولا نسمع ولا نشعر!

لطالما كان النظام السوري يحكم السوريين بذهنية السيد صاحب المزرعة، الإقطاعي الذي يشتري العبيد للعمل في مزرعته. لم نكن يوماً بالنسبة للنظام أكثر من عبيد. لهذا استحق "العبيد" القتل، حينما تمرّدوا على السيد مالك المزرعة، ومن لم يُقتل عوقب بأنواع عقابٍ تجعل من الموت رحمة إلهية، ومن لم يتمرّد تتم معاملته بكل طرق الإذلال. كانوا في زمن العبودية يضعون العبيد في أقفاص، ويربطونهم بسلاسل معدنية، عقاباً جماعياً على خطأ ارتكبه فرد منهم. في سورية، يفعل النظام الشيء ذاته مع من تبقّى من السوريين، إذ يربط السوريين بسلاسل الحاجة والفقر، ويضعهم جميعاً في قفص الإذلال، من قال إن القفص فقط أمام الأفران؟

"دمشق بلا خبز".. أقرأ أيضاً هذه الجملة منتشرة على وسائل التواصل، ويا للمفارقة: أنا بكل ترف أمتنع عن شراء الخبز وعن أكله، خشية أن يزداد وزني. حتى أنا، خارج البلاد القاسية، أعيش في قفص الإحساس بالذنب وتأنيب الضمير. 

" دمشق بلا خبز".. في مصر يسمّون الخبز "عيش". وأظن أن التسمية هذه هي من "العَيش"، أي الحياة، وإذ لطالما كان الخبز، وفي جميع حضارات البشرية، طريقة لتجنب الموت من الجوع. "أعطنا خبزنا كفاف يومنا" يقول المسيحيون في صلاتهم الصباحية. و"ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان...". ونقول إن بيننا وبين شخص ما "خبز وملح"، أي بيننا تفاصيل حياة التنكر لها نوع من النذالة. يرتبط الخبز بالحياة وبالنبل أيضاً. علّمنا أهالينا حين كنا صغاراً إن وجدنا قطعة خبز مرميةً على الأرض أن نرفعها ونقبلها على وجهيها، ثم نلصقها قليلاً على جبيننا، نوعاً من الاحترام، ونضعها في مكان مرتفع، كي لا تطأها الأقدام، فالخبز نعمة ولا يجوز إهانة النعمة. 

"في هذه البلاد القاسية لا يوجد خبز".. لا أعرف إن كان سيقرأ أحدهم في زمن بعيد قادم جملة كهذه، كتبها سوريٌّ ما يعيش في سورية في عام كورونا، ويكمل جملته، وهو يهزأ من كورونا، الذي تعيش البشرية كلها في قفص الخوف منه. تُرى ماذا سيقول من سيقرأ جملة كهذه بعد خمسين عاماً مثلاً؟ هل سيصدّق أن بلداً لا يوجد فيه خبز، لا يهتم سكانه بفيروس قاتل مثل كورونا؟ هذه البلاد القاسية أنجبت بشراً يشمتون بإخوتهم الذين لا يجدون لقمة عيشهم. هذه البلاد القاسية أنجبت بشراً يشمتون بموت إخوتهم. هذه البلاد القاسية أنجبت قتلة وفجرة، مثلما أنجبت طيبين ونبلاء. هذه البلاد القاسية لا تترك أحداً خارج القفص، حتى لو صار في آخر الأرض.

"هذه البلاد القاسية بلا خبز".. سيقرأها أحدهم: "هذه البلاد القاسية بلا حياة".