نعود بحذر

22 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

مع بداية ظهور فيروس كورونا، واتخاذ حكوماتنا تدابير صحية للوقاية منه، كتبت ونشرت مقالات متتالية، حاولت فيها رصد التغيرات الصحية والمجتمعية التي أحدثها هذا الفيروس فينا، أفرادا ومجتمعات، لكنني، لاحقا، شعرت بقليل من الملل من الكتابة في هذا الموضوع، على الرغم من أن كتابتي كانت نوعا من الاستشفاء الوقائي منه كعادتي في كل كتابة. ولكن ما يعيدني اليوم إليه هو ذلك التبلد الشعوري الذي صار عنوان المراحل المحترقة في المعركة العامة والشاملة ضد هذا الفيروس، خصوصا وأن الحالة النفسية المجتمعية أصبحت حسّاسة جدا، ويدل على مدى حساسيتها التناقض الرهيب الذي صار يعيشه المجتمع ما بين رغبة كثيرين من أفراده في العودة إلى الحياة الطبيعية القديمة، ورغبة البقية في مزيد من الاحتراز والحذر، بعد أن ضاقت حلقات هذا الفيروس، وزادت سرعته في رصد ضحاياه وحصدهم. 

مع كل مرحلة جديدة تعلن عنها في سياق معركتها ضد فيروس كورونا، يعود السؤال ليطل برأسه بين ركام القلق والترقب؟ متى تأتي المرحلة الأخيرة؟ متى ينتهي السباق؟ ومتى نعود إلى حياتنا الطبيعية، أي حياتنا قبل أن يداهمنا هذا الفيروس، فيقلب أحوالنا ويغير مواعيدنا، أو يلغيها، ويعلمنا عادات وطقوسا جديدة في يومياتنا؟

في الكويت، نعيش هذه الأيام المرحلة الرابعة، والتي دشّنت تحت شعار؛ "نعود بحذر"! نعود من أين وإلى أين؟ وما معنى الحذر الذي نعود به؟ نعود إلى العمل وإلى المدرسة وإلى المسجد وإلى السوق وإلى الشارع وإلى المطار وإلى المطعم ولكن بحذر وخوف وترقب، فأعداد المصابين بالفيروس زادت ولم تقلّ، وأصبح الآن من الطبيعي جدا أن نسمع كل يوم تقريبا برحيل أحد معارفنا من الحياة في المستشفى، تحت وطأة هذا الفيروس وشراسته. وعلى الرغم من أننا ما زلنا نتصرّف في إطار الدهشة، وعدم التصديق أحيانا، من أن الحياة كلها تقريبا قد توقفت في العالم في وقت واحد، وبسبب عدو مشترك واحد، إلا أن الواقع، بكل معطياته التي تراكمت تدريجيا في حياتنا، قد فرض نفسه على الجميع، فالكمامات التي كان منظرها على الوجوه غريبا، في الشهور الأولى من هذا العام، أصبحت شيئا مألوفا وعاديا، بل أصبح غيابها هو الغريب، خصوصا وقد تحول هذا الغياب إلى مخالفة قانونية، تستوجب الغرامة المالية الفورية، كما يحدث عندنا في الكويت. أما التعليم عن بعد، وعبر الشاشات الكبيرة والصغيرة، فعلى الرغم من كل المخاوف التي صاحبت بداياته، إلا أنه استمر، وسرعان ما اندمج المعلمون والطلاب وأولياء أمورهم فيه، حتى أصبح وكأنه الوضع الطبيعي للتعليم، فلا حاجة للمدارس والفصول والسبورات في وجود شبكة إلكترونية توفر ذلك كله عبر الأجهزة الحاسوبية مع بقاء الجميع في منازلهم! 

بعد تدشين المرحلة الرابعة من مراحل مكافحة الفيروس، والتي تسمح بخروجٍ حذر ومدروس من البيت، كان كثيرون، مثلي، لا يزالون منهمكين في عزلتهم الاضطرارية، باعتبارها واقعهم الجديد. حتى أنني نسيت، ربما، شكل الحياة اليومية المعتادة قبل عام تقريبا، أو لعلي لم أعد أرغب في خياراتها الكثيرة، بعد أن اكتشفت أن معظمها استهلاكية، من السهل جدا الاستغناء عنها بسهولة، ومن دون أي شعور بالفقد أو الحاجة.

في انتظار بدء المرحلة الخامسة، والتي يبدو أن حكومتنا تتعمد التأخر في إعلانها، نعود إلى الدروس الأولى التي ألقتها علينا هذه الجائحة قبل شهور، لنذاكرها من جديد، بعد أن فشل معظمنا في اجتياز الامتحان الإنساني الكبير. فهل سننجح في الامتحان التالي؟ أم أن الفيروس قد سجل انتصاره النهائي علينا، نحن البشر وانتهى الأمر؟ ننتظر وسنرى.