نصرالله و"اللا غموض الاستراتيجي"

نصرالله و"اللا غموض الاستراتيجي"

05 نوفمبر 2023

تجمّع في بيروت يشاهد عبر الشاشة خطاب حسن نصر الله (3/11/2023/الأناضول)

+ الخط -

لو لم يقدّم أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، خطابه أول من أمس الجمعة، لكان أفضل كثيراً لحركة حماس وكتائب عزّ الدين القسام، فهذا الخطاب أفقدهما ورقة استراتيجية كبيرة، كانت بأيديهما في مواجهة العدوان الإسرائيلي وحرب الإبادة، ورفع معنويات حكومة الحرب الإسرائيلية!

حدّد الرجل معياريْن رئيسين في ترسيم حدود تحوّل تدخّل الحزب عسكرياً في الحرب بصورة شاملة: تطورات ما يحدث في غزّة، والسلوك الإسرائيلي تجاه لبنان. ولو تجاوزنا الأول (لأنّ هنالك قراراً أميركياً بعدم توسيع رقعة الصراع، والحرص على إبعاد حزب الله عن المعركة الحالية للاستفراد بحركة حماس وغزّة)، فإنّ الجانب الثاني أضعف كثيراً من معنويات الغزّيين و"حماس" والجماهير العربية والمسلمة التي كانت تنتظر الخطاب الذي جرى التمهيد له كثيراً بصورة مبالغ فيها من الماكينة الإعلامية للحزب.

ما الذي يمكن أن يحدُث في غزة أكثر مما يجري من حرب إبادة؟! وقتل عشرات الآلاف من المدنيين والأطفال والنساء؟! من الواضح أنّ حسابات الحزب الدقيقة المؤسّسية رجّحت الاكتفاء بالعمل التكتيكي. وبالتالي، ما وصفه هو بالغموض الاستراتيجي البنّاء كان كذلك قبل خطابه، إذ كان هنالك فعلاً قلق وحسابات عديدة غربية وإسرائيلية لاحتمال التحوّل نحو معركة إقليمية كبرى، وبالتالي خلط الأوراق جميعاً في المنطقة، لكن الخطاب ومحدّداته وسياقاته أنهت حالة الغموض، وأطّرت الوضع الحقيقي للحزب وحساباته الاستراتيجية في المعركة الحالية.

انعكاس ذلك كبيرٌ جداً، من زاوية سلبية، سيكون على الوضع في غزّة، للأسف الشديد، عملياتياً ومعنوياً، إذ كان الأمل بفتح جبهات متعدّدة، في لبنان والضفة الغربية وربما عمليات في الداخل الإسرائيلي، يضع ضغوطاً حقيقية على معادلة إسرائيل الأمنية والداخلية والعسكرية. أما الآن مع الاعتقالات الكبيرة في الضفة وخروج حزب الله بنسبة كبيرة من احتمالية تمدّد الصراع، فإنّ المعركة جرى تأطيرها بصورة كبيرة ضمن عمليات الإبادة الجماعية الحالية.

هنا، لا نريد تحميل حزب الله فوق ما يحتمل، فهو، في النهاية، خاضع لحسابات داخلية لبنانية وسياسية وتكتيكية، وقبل أن يقفز أحدٌ ليقول لماذا لا تطالب النظام الرسمي العربي بما طالبت به الحزب؟ّ! فأقول إنّ هذا النظام قد تُوُدِّع منه منذ زمن، وإذا لم يكن جزءاً من التآمر على "حماس" فذلك جيّد، لكننا نتحدّث هنا عن المحدّدات الواقعية الحالية للصراع، وليس المثالية، أولاً، وثانياً عمّا يسمى "حلف المقاومة" الإقليمي، فمن الواضح أنّ إيران لن تتدخل إلاّ إذا ضُربت، وأذرعها التي تحرّكت وحزب الله جميعاً تعمل في إطار تكتيكي، فيما يبدو أنّ ما تسمّى "وحدة الساحات" كاستراتيجية إقليمية تم التوافق عليها، وعُقدت اجتماعات بين الأطراف المختلفة بمباركة إيران، لم تنجح في أول امتحان حقيقي لها!

حزب الله وحسن نصر الله خسرا جزءاً كبيراً من الشعبية في العالم العربي على أثر أحداث سورية، وفقاً لجميع استطلاعات الرأي، حتى في العراق وفي الأوساط الشيعية هنالك تذمّر من النفوذ الإيراني، وكذلك الحال في لبنان، وفي سورية اكتوى السوريون بالويلات من الحزب. تبقّت له شرعية وحيدة، تتمثل في دعوى المواجهة مع إسرائيل والمقاومة، وساعدت عودة العلاقات مع حركة حماس، أخيرا، في ترميم بعض ذلك، لكن الخطاب أول من أمس انعكس بصورة سلبية للغاية على الشارع العربي، وعزّز الصورة السلبية ولم يجبّها.

بالرغم من ذلك كلّه؛ لا يجوز أن تنتقل المعركة اليوم إلى العتاب والشتائم والسجال بين أنصار الحزب وخصومه، كما لاحظنا على مواقع التواصل الاجتماعي، بمجرّد نهاية الخطاب. دعونا نؤجل ذلك إلى ما بعد حرب الإبادة في غزة، ونركّز على عنوان وحيد وهو وقف العدوان، فالنخب الإسرائيلية بينها انقسامات هائلة وكبيرة وصراعات كبيرة جداً، لكنها اتحدت جميعاً في الحرب الحالية، لأنّها حرب مصيرية، تحت عنوان "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، واتركوا الحسابات والعتاب والنقاشات إلى ما بعد الحرب الراهنة.

محمد أبو رمان
محمد أبو رمان
أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية والمستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع.