مينينديز ليس الأول ولا الأخير

مينينديز ليس الأول ولا الأخير

02 أكتوبر 2023

روبرت مينينديز مغادرا مكتبه في مجلس الشيوخ في واشنطن (28/9/2023/Getty)

+ الخط -

ربما ليس معلوماً لدى كثيرين أن قضية اتهام رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي روبرت مينينديز بتلقّي رشوة من الدولة المصرية تخضع للتحقيق في الأجهزة العدلية الأميركية منذ أربعة أعوام. وأن البحث والتحرّي عن فساد هذا الرجل بواسطة جهاز التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) بدأ قبل ذلك بعام، أي 2018. 
ومن المدهش أن تأخذ القضية ذلك المسار المخجل، بعد مدة طويلة كان التحقيق يجري خلالها، والاتهام معروفٌ وواضح، حيث اكتملت التحقيقات، وأعدّت لائحة اتهام، وجرى تجهيز ملف ادّعاء لعرض القضية أمام المحكمة، وبالطبع أمام الرأي العام. وطوال هذه المدة، لم يظهر ما يشير إلى قيام مصر أو من تورّط باسمها بأي تحرّك فعّال لتجنّب تلك الفضيحة، والحيلولة دون الحرج الذي تواجهه القاهرة حالياً.
لكن الأكثر مدعاة إلى التساؤل، إن صحّت الاتهامات، لجوء أجهزة أو مؤسّسات مصرية إلى هذا الأسلوب، بتقديم رشاوى لنائب أميركي أو لزوجته، كي يتبنّى مواقف مؤيدة لمصالح القاهرة وسياساتها، فقد عفا الزمن على هذه الأساليب منذ عقود، خصوصاً في الدول شديدة الليبرالية والانفتاح، كما هو حال الولايات المتحدة، فكل شيء هناك يجرى في العلن صراحة وبشفافية كاملة، بما في ذلك الضغوط والتحرّكات التعبوية لمواقف أو توجّهات لصالح دولة أو شركة أو جماعة أو حتى شخص. بل إن القوانين الأميركية التي تجرّم الرشى هي ذاتها التي تسمح بجماعات الضغط واللوبيات وتقنن عملها، فلا ضرورة أو مبرّر لأن تتجاهل أيّ جهةٍ تلك الآليات المفتوحة العلنية، وتعمل في الظلام. 
حالة أخرى سبقت واقعة سقوط السيناتور الأميركي روبرت مينينديز، ولا تختلف عنها كثيراً، وهي الطائرة التي ضبطتها السلطات في زامبيا قبل أسابيع، حيث صادرت منها أموالاً وأسلحة وذهباً، وأوقفت عدة مصريين كانوا على متنها. ورغم الإفراج عن الموقوفين لاحقاً والتعتيم الشديد على تفاصيل القضية وملابساتها، كان واضحاً، من اللحظة الأولى، أن الطائرة كانت تنقل أشياء وأشخاصاً في مهمّة سرّية استخباراتية على الأرجح، خصوصا أن سجلّ عمل الطائرة حافل برحلات رسمية وشبه رسمية لحساب جهاتٍ مصرية. 
يثير تتابع الواقعتين وارتباطهما بسمعة الدولة المصرية التساؤل بشأن طريقة عمل الأجهزة والمؤسّسات الأمنية والسيادية، وما إذا كانت آليات عملها تخضع للتحديث والتطوير لمواكبة المستجدّات التكنولوجية والمعرفية ذلك العالم الغامض، فضلاً عن تساؤلاتٍ أخرى مبدئية بشأن معايير اختيار الأفراد المرشّحين واستقطابهم للعمل في هذه المجالات، ومدى استيفائهم المتطلّبات والمؤهلات الضرورية، نفسياً وعلمياً ومهاراتٍ.
المثير حقاً أن هذا الوضع المؤسف ليس مقصوراً على الإخفاق في واقعةٍ معينةٍ أو انكشاف عملية محدّدة لدولة بعينها، إذ يؤكد التاريخ القريب أن الأساليب البدائية أو الاستسهال في تلك الأعمال الدقيقة والخطيرة ليس مقصوراً على مصر وحدها، التي ربما تشفع لها إنجازاتٌ سابقةٌ ضخمة في العمل السرّي، فعملية اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي كانت فضيحة كاملة بكل المقاييس، وكشفت تفاصيلُها عمق الخلل التنظيمي والقصور العملياتي، بل وتدني كفاءة القائمين عليها بمختلف مراحلها. 
هذا هو حال مؤسّسات وأجهزة يُفترض أن تكون الأفضل والأعلى قدرة وكفاءة، لكن توالي إخفاقاتها يضيفها إلى قائمة طويلة من الانتكاسات والتدهور في كل مناحي الحياة، فالخطأ وارد بشكل عام، لكن غير المقبول هو تكرار الأخطاء وتوالي السقطات من مؤسّسات وأجهزة يُفترض ألا تعرف الفشل ولو استثناءً. والأخطر من ذلك كله أن الذي يخفقون ويسقطون لا يتعلّمون أبداً من دروس الفشل، كأنهم غير مجبولين على الاعتراف بالخطأ.

58A20E76-8657-4557-85A3-A5682BEB4B9A
سامح راشد

باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط. درس العلوم السياسية وعمل في مراكز أبحاث مصرية وعربية. له أبحاث ومقالات عديدة في كتب ودوريات سياسية.