مهرجان .. أو لا مهرجان: تلك هي المسألة في مصر

مهرجان .. أو لا مهرجان: تلك هي المسألة في مصر

22 نوفمبر 2021
الصورة

(محمد حِجّي)

+ الخط -

في اللحظة التي كان كثيرون ينتفضون ضد الأستاذ نقيب الموسيقيين لتعس~فه مع الأساتذة حمو بيكا وشاكوش، وهلم جرا، رافعين شعار أن دور النقابة ليس مصادرة الفن وإنما الدفاع عن حقوق الفنانين، وأولها حرية الإبداع، كانت نقابة المحامين المصرية تسقط عضوية المحامي أسامة محمد مرسي، ابن الرئيس الشهيد، وتشطبه من سجلاتها، لكن هذا الأمر لم يتحو~ل حتى إلى خبر من سطرين في صحيفة، ولم يسترع انتباه أحد أو يثر اهتمامه، أو يجعله يترك له مساحة ضئيلة في معركته الباسلة ضد دكتاتورية النقابات وإهدارها حقوق أعضائها لمصلحة السلطة.
في الموضوع ذاته، لم نسمع صوتًا يطالب نقابة المحامين بموقفٍ ضد حرب الإبادة القضائية بحق مئات من أعضائها، ليس آخرهم المحامين زياد العليمي وهيثم محمدين ومحمد رمضان، وليس أولهم عصام سلطان ومحمد الباقر.
كما لم نسمع صوتًا يقول لنقابة الصحافيين إنها لا يجب أن تتحوّل إلى أداةٍ بيد السلطة ضد أعضائها الذين يتعرّضون للظلم، وليس آخرهم الصحافيين هشام فؤاد وحسام مؤنس.
لا نسمع سوى زئير متصاعد ضد، ومع نقابة الموسيقيين، في حرب هاني شاكر ونجيب ساويرس، حول حقوق الأستاذ حمو بيكا ورفاقه في حرية الغناء والعمل.
القضية الأولى على جدول الاشتباك والثرثرة في مصر طوال الأسبوع الماضي هي الحرب المعلنة بين معسكر الأستاذ هاني شاكر، نقيب الموسيقيين، ومعسكر من يعرفون بمطربي المهرجانات، ويقوده السيد نجيب ساويرس، رجل المال والأعمال، الذي يرعى سربًا من المثقفين لا يمانعون في اعتباره راعي الإبداع والمبدعين.
مع أغنية المهرجانات، أو ضدها .. هذا عنوان الاشتباك الطاحن، الذي تتوارى تحت هديره كل الموضوعات الأخرى، داخليًا وخارجيًا، باستثناء قضية أمن قومي أخرى، تعشّش في الصفحات الأولى من الجرائد، ولا تغيب عن واجهة المواقع الصحافية الإلكترونية، وهي معركة الممثل العجوز مصطفى فهمي ومطلقته الشابة.
في المقابل، تتراجع القضايا التافهة الصغيرة، وتغيب عن حوارات المشتبكين وسجالات التنويريين، من نوعية قرار وزيرة الداخلية البريطانية، صديقة الاحتلال الصهيوني وداعمته، تصنيف المقاومة الفلسطينية حركة إرهابية، أو مأساة الحريات التي تدهسها السلطة بالمجنزرات القضائية، من دون أن يرفع أحد صوته بكلمة، سوى همسات استرحام واستعطاف واستجداء للعفو.
 هنا، تختزل قضية الحرية إلى عركة يخوضها تشكيلان مختلفان لفريق واحد، تهبط بمفهوم الحرية الواسع بوصفها قيمة مطلقة وموضوع للنضال الإنساني، إلى حرية مطربي المهرجانات وحقهم في الغناء، بمواجهة استبداد سلطة النقيب هاني شاكر، ومصادرته حرية الجمهور في الاختيار، واتخاذ قرار الاستماع من عدمه.
يصدمك أن الاشتباك نفسه اشتعل وانطفأ عشرات المرّات سابقًا، بالعناوين والشعارات ذاتها، وانتهى النهايات نفسها، الفرقتان، فرقة هاني وفرقة ساويرس، تتصافحان وتتبادلان قمصان اللعب في نهاية الجولة التي تسفر، كما كل مرة، عن إعادة صياغة العلاقة بين معسكر نقيب الموسيقيين وفيلق المطربين المهرجانيين، بما يضمن استمرار الاثنين معًا، لاعبين أساسيين في ملهاةٍ تنتحل صفة القضايا الكبرى، وتتزيّن بمساحيق شعاراتٍ ضخمة، مثل حرية الإبداع، وحرية الجمهور في ذوقه الفني، ودكتاتورية الرقابة، ودور النقابة، والوصاية على المجتمع.
التفسير الأسهل لما يدور من معارك فارغة، يتم فرضها بالقوة على المجتمع، أنها تندرج ضمن برنامجٍ للإلهاء وصرف الانتباه عن كوارث يتم تنفيذها، لكن الواقع ينطق إن السلطة ليست في حاجةٍ إلى إلهاء الناس عن شيء، لأنها لا تعترف بوجود الناس أصلًا، فضلًا عن اطمئنانها إلى أن ما فُعِلَ بالجماهير على مدار ثماني سنوات، لن يجعلها تقوم لها قائمة، بالنظر إلى عنف الضربات وشراسة التدمير المنهجي الذي استهدف قدرتها على الحركة.
وكما قلت من قبل، إننا بصدد عملية "تتفيه للمجتمع" وجعله أكثر ابتذالًا، عن طريق معارك تدور في المستنقعات، ويتحمّس لخوضها وترويجها من كان يُفترض فيهم أنهم ضمير الأمة، فتبيّن أنهم أتفه مما تخيلناهم.