معلّم السخرية حسيب كيالي

معلّم السخرية حسيب كيالي

12 يوليو 2015

حسيب كيالي.. المؤسس الحقيقي للأدب الساخر في سورية

+ الخط -

في الوسط الثقافي السوري، حينما يأتي الحديث إلى الأدب الساخر، سرعان ما يُذكر اسمُ حسيب كيالي. وكأنَّ هذا مُنْعَكَسٌ شَرْطي. بالنسبة إليّ؛ حينما بدأتُ محاولاتي القصصية الأولى، في أوائل الثمانينات، صار المهتمون والنقاد يقولون عني: هذا خليفة حسيب كيالي. يمشي على خطى حسيب كيالي. من (مدرسة) حسيب كيالي..

قد تكون الجملة الأخيرة التي تشير إلى أن حسيب كيالي أسس (مدرسة) إبداعية خاصة به ملتبسة بعض الشيء، أو، ربما، تنقصها الدقة، فهو، مثلاً، في قصصه الأولى التي بدأت منذ عام 1944، كان شديد الإخلاص لمدرسة تشيخوف، ذات النكهة الواقعية الحزينة المطعّمة بشيء من الفكاهة. وهو قريب من مدرسة موليير، في بعض قصصه الهزلية، ومتأثر بالأديب الفرنسي مارسيل إيمي، وخصوصاً في مجموعته القصصية (حكايات القط الجاثم) التي كتبها للأطفال الذين تراوح أعمارهم بين سبع سنوات وسبع وسبعين سنة! وهو التلميذ النجيب لكبير الناثرين الساخرين العرب، أبي عثمان الجاحظ، وتلميذه أبي حيان التوحيدي، وكانت تستهويه، مع هذا كله، لغة أسامة بن منقذ.

يتطلّب الحديث عن مدرسة خاصة بحسيب كيالي منّا تحديد الملامح الأساسية لمجمل إنتاجه الأدبي، وأهمها أنه خريج كتب التراث العربي الإسلامي الصفراء. وفي الوقت نفسه، متشرّب بالثقافة الفرنسية، خاض في أعماق اللغة الفرنسية إلى درجة أنه استخدم، مرة، عبارات بتراكيب ومفردات فرنسية نادرة أمام سيدة فرنسية، فاستغربت وسألته: هل هذا الذي تقوله موجود في الفرنسية فعلاً؟!

أحب حسيب لغة أسامة بن منقذ. كتب لي في إحدى رسائله من دبي سنة 1989: أنت تقرأ كتاب "الاعتبار" لأسامة بن منقذ بالعربية الفصيحة، ثم تقلبه على قفاه، وتتفكر به، فتظن أنك قرأتَ شيئاً ما بالعامية. الشعور نفسه ينتابُك وأنت تقرأ أعمال نجيب محفوظ الروائية، من بين الأدباء المعاصرين.

من هنا، نستطيع الوقوف عند المأثرة الكبرى الخاصة بحسيب كيالي، ألا وهي (اللغة). وهذا ما تحدث عنه ذات يوم الأديب والناقد محمد كامل الخطيب. لغة حسيب هي، بالتحديد، صياغةٌ فصيحة للعامية الشامية عموماً، والعامية الإدلبية خصوصاً، محتواها تراثي عربي إسلامي مع نفحة تجديد فرنساوية بلزاكية، وباستطرادات جاحظية وتوحيدية.

الاستطراد هو السمة الأخرى التي لا نستطيع أن نعتبرها مأثرة، لأن حسيب، في قصصه الأخيرة التي أنتجها في دبي وصدرت بعنوان "نعيمة زعفران"، أصبح يغيب عن سياق نصه الحكائي زمناً طويلاً ليعود إليه، أو لا يعود البتّة. أصبحت ثقافته الموسوعية ومواقفه السياسية والفكرية واستطراداته تثقل عليه، فما عاد قادراً، برأيي، على إنتاج إبداعات قريبة لما أبدعه في مجموعتيه "مع الناس" 1952، و"أخبار من البلد" 1954، حيث القصة لديه كانت تشبه النبع الذي تنظرُ إليه، فتظن حصاه في متناول يدك، تمدُّها لتلتقط الحصاة، فتجدها بعيدة في العمق.

مسألة أخرى لا بد لنا من التعريج عليها، ونحن نحيي حسيب كيالي في الذكرى 22 لوفاته.. وهي أنموذج المؤلف القديم الذي كان قاصاً، وروائياً، وشاعراً، ومسرحياً، وكاتب خواطر ومذكرات في آن معاً.. وحسيب أراد أن يكون هؤلاء جميعاً، مع العلم أنه قاص كبير، وكان هذا يكفيه.

من يقرأ رواية "أجراس البنفسج الصغيرة"، وهي الأشْهَر بين أعماله الروائية، سرعان ما سيكتشف أنها مجموعة قصص قصيرة أزيلت من بينها الحدود والحواجز، أما مسرحياته الكثيرة فكل واحدة منها تنطلق من قصة قصيرة أو من حكاية شعبية.

خلاصة القول إن حسيب كيالي، بوصفه كاتباً ناجزاً، إنما هو المؤسس الحقيقي للأدب الساخر، على نطاق سورية، وواحد من الأدباء الساخرين الكبار الذين لا يُمكن العثور على أمثالهم في كل زمان، وفي كل مكان.. على حد تعبير الأديب التركي الساخر، عزيز نسين. 

               

خطيب بدلة
خطيب بدلة
قاص وسيناريست وصحفي سوري، له 22 كتاباً مطبوعاً وأعمال تلفزيونية وإذاعية عديدة؛ المشرف على مدوّنة " إمتاع ومؤانسة"... كما يعرف بنفسه: كاتب عادي، يسعى، منذ أربعين عاماً، أن يكتسب شيئاً من الأهمية. أصدر، لأجل ذلك كتباً، وألف تمثيليات تلفزيونية وإذاعية، وكتب المئات من المقالات الصحفية، دون جدوى...