مصر وحماس وتكريس الفصل

مصر وحماس وتكريس الفصل

07 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

يبدو أن قناعةً باتت راسخةً لدى الأطراف الفلسطينية والإقليمية أن لا مجال مطلقاً بعد اليوم لإنهاء الانقسام السياسي الفلسطيني الذي اقترب من عامه الخامس عشر، فكل المحاولات السابقة والاتفاقات التي أبرمت لإنهائه لاقت المصير ذاته، وهو الاندثار عند محاولات التطبيق، في ظل الحسابات المعقّدة للحكم بالنسبة إلى طرفي النزاع، أي السلطة الفلسطينية "الحاكمة" في الضفة الغربية، وحركة حماس "الحاكمة" في قطاع غزة. ومن الواضح أن لا محاولات جديدة بعد اليوم لإعادة رأب الصدع، خصوصاً أن كل المخاطر التي أحاطت بالقضية الفلسطينية لم تنجح في دفع الطرفين إلى تجاوز خلافاتهما والوحدة ضمن استراتيجية مواجهة. فعلى الرغم من اللقاءات التي عقدت، والتي استبشر بها فلسطينيون كثيرون خيراً، إلا أن التمترس خلف المصالح والتناقض في الأيديولوجيات لطالما أعادا الأمور إلى مربع التعقيد من جديد.

مناسبة الكلام اليوم عن هذه الحالة الفلسطينية ما تسرّب عن المساعي المصرية لعقد اتفاق بين "حماس" ودولة الاحتلال الإسرائيلي، وما حمله هذا التسريب من معطياتٍ تشير بوضوح إلى التعاطي مع قطاع غزة وحركة حماس باعتبارهما كياناً منفصلاً تماماً عن شبه الدولة الفلسطينية المقامة في الضفة الغربية. فالاتفاق المزمع إبرامه، أو الذي يجري التفاوض عليه حالياً، وسيحمله رئيس المخابرات المصرية، اللواء عباس كامل، إلى إسرائيل خلال الأيام المقبلة، يحمل كثيرا من هذه المعطيات، لكن أبرزها ما يتعلق بإعادة الإعمار في قطاع غزة ودور السلطة الفلسطينية فيها.

أفصح كامل عن مضمون هذا الاتفاق خلال مقابلة أجراها مع صحافيين إسرائيليين، إذ قال إن "الاتفاق المزمع يشمل وقفاً لإطلاق النار طويل الأمد، وتبادلاً لأسرى، ومساعدات إغاثية وإعادة إعمار، وعودة ولو رمزية للسلطة الفلسطينية إلى غزة". بدايةً من البندين، الأول والثاني، في الاتفاق، يمكن تبيّن الطبيعة التي يتم التعامل فيها مع قطاع غزة وحركة حماس. إذ لم تكن الأمور على هذا الحال في السابق بعد الحروب التي كانت تشنّ على قطاع غزة، فقد كان يجري التوصل إلى هدن برعاية مصرية وتأييد دولي، من دون الحاجة إلى إبرام اتفاقات رسمية بين إسرائيل و"حماس"، على عكس ما هو الحال عليه اليوم، فالحديث اليوم هو عن اتفاق طويل الأمد، ومن دون أي ذكر للسلطة الفلسطينية فيه، ما يعني عملياً التسليم بأن سيطرة "حماس" ووجودها في قطاع غزة سيكون دائماً، أو على الأقل طويل الأمد، مع انعدام أي دور للسلطة الفلسطينية.

ما يكرّس هذا الواقع، أو هذا الاستنتاج، هو ما ذكره كامل في البند الثالث من الاتفاق المزمع عقده، فحديثه عن السعي إلى "وجود رمزي" للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة يؤكّد واقع التسليم بالفصل التام بين قطاع غزة والضفة الغربية، فقد بات أقصى طموح الأطراف الراعية لمحاولات إنهاء الانقسام الفلسطيني هو "وجود رمزي" للسلطة في غزة، بعدما كان الكلام في السابق عن رأب الصدع وتشكيل حكومة وحدة وطنية وإقامة انتخابات تشريعية ورئاسية وتلك الخاصة بالمجلس الوطني ومنظمة التحرير، وهي عناوين سقطت في اختبار التطبيق.

وعلى الرغم من عدم وضوح هذا الوجود، إلا أنه أيضاً لن يكون سهلاً، خصوصاً إذا كان مرتبطاً بأموال إعادة الإعمار بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على القطاع. فحركة حماس لن ترضى أن يكون هناك دور للسلطة في السيطرة على مسار إنفاق هذه الأموال، وهو ما سبق أن أعلنه أكثر من مسؤول في الحركة. في المقابل، ترفض السلطة مطلقاً أن تمر أموال إعادة الإعمار في مساراتٍ لا يكون لها وجود فيها، وهي بالتالي لن تقبل أن تكون شاهد زور على اتفاقٍ من شأنه أن يرمّم شعبية "حماس".

تعقيدات لن يتمكّن عباس كامل أو غيره من حلحلتها، والاتفاق الذي يحمله إلى تل أبيب قد يمرّ في بنديه الأولين، لكن "العودة الرمزية" للسلطة إلى غزة ستبقى مستعصية.