مصر واستراتيجية التعامل مع سد النهضة

مصر واستراتيجية التعامل مع سد النهضة

12 ابريل 2021
الصورة

أثيوبي بقناع شعار "إنه سدّي" في مسيرة في نيويورك تدعم بناء سد النهضة (11/3/2021/فرانس برس)

+ الخط -

مع فشل جولة المفاوضات في عاصمة الكونغو، كينشاسا، بشأن سد النهضة الإثيوبي، أبريل/ نيسان الجاري، ظهرت تصريحات مصرية تعتبرها "الفرصة الأخيرة" بشكلٍ أثار الجدل حول الخطوة التالية للسياسة الخارجية، وخصوصاً في تنامي تعقيدات العلاقة مع السودان وإصرار إثيوبيا على فكرة السيادة المطلقة على المياه. ولذلك تبدو أهمية تقييم السياسة المصرية وطبيعة المشاورات حتى الوصول لاتفاق قانوني.
وبعد أيام قليلة من انتهاء جولة كينشاسا، رفضت مصر مقترحاً إثيوبياً للتفاوض حول الملء الثاني للسد، واعتبرته بمثابة الإجراءات الأحادية، كما ظهرت تعليقات لمسؤولين سابقين عن الري تفيد بأن الدعوة الإثيوبية تمثل استخفافاً، ولا تعكس مسؤولية سياسية، وهو ما يعني الاعتراف بإطلاق يدها في القيام بمشروعات مستقبلية، واستغلال موارد النيل الأزرق، من دون الاكتراث بالحقوق المشتركة. قد يعكس هذا الإدراك وجود توجهاتٍ لإعادة التموضع في التعامل المصري مع السد الإثيوبي، يقوم على التدقيق في الخطوات المقبلة.

أوجد التراجع المصري في العقود الماضية فجوةً مع التغيرات التي شهدتها بلدان حوض النيل، وشبكة علاقاتها الدولية الجديدة

على مدى فترة التفاوض، افتقدت السياسات المصرية والسودانية للترابط. وعكست، في أغلب الفترات، تقديرات متفاوتة تجاه السير التفاوضي، وخصوصا ما يتعلق بتقييم آثار السد الإثيوبي. وفيما انصب اهتمام مصر على تجنب حالات الخطر الجسيم، رجّح السودان غلبة المنافع التنموية. وقد شكلت هذه الأنماط إطاراً مفكّكاً لدولتي المصب. بالطبع، هناك رواياتٌ مختلفة لتبرير مواقف الجانبين، لكنهما وصلا، في نهاية المطاف، إلى قناعات مشتركة بأهمية ضبط الوضع القانوني لإدارة المياه في النيل الأزرق، متجاهلين مستوى الأمان (المادة 8)، ما شكّل فجوة ساعدت إثيوبيا على إنكار الالتزامات المشتركة. وبمرور الوقت، انفكّت أوراق المساومة، وبشكل يحول دون توقع نقطة تحوُّل في التعامل مع مشكلة السد القريب من الحدود السودانية ـ الإثيوبية. 

بناء السياسة الخارجية
في هذا السياق، كيف يمكن فهم جدلية ثورة 25 يناير والسياسة الخارجية؟ خلال ما يقرب من عشر سنوات، مرّت مصر بتقلباتٍ كثيرة، وبدا شكل الحكومات وانهيارها ظاهرة متتابعة في السنوات الأولى بطريقةٍ دفعت لتبنّي سياسة دفاعية، تفاقم أثرها بظهور مشكلاتٍ أمنيةٍ وعسكريةٍ، لتتحول مزايا الموقع إلى عبء استراتيجي، ساهم في تشكيل سياق التفاوض. وبالإضافة إلى المخاطر الأمنية والعسكرية، المنحدرة من الغرب والشمال الشرقي والبحر الأحمر، وقعت مصر تحت التحدّي الإثيوبي لحقوقها المائية في نهر النيل. وقد زاد تراكمه بسبب إهمال مخططي السياسة الخارجية عقودا مضت. ومن جهة أخرى، أوجد التراجع المصري في العقود الماضية فجوةً مع التغيرات التي شهدتها بلدان حوض النيل، وشبكة علاقاتها الدولية الجديدة.
وقد تمدّد أثر التداعيات للسنوات اللاحقة، ليمثل أعباء على السياسة الخارجية، لم تستطع الدبلوماسية التخفيف من شدّتها، فعلى مدى الفترة كلها، ظلت الدبلوماسية مُقيدة بنتائج التفاوض الفني، وهي سياسةٌ عكسيةٌ نتجت عنها محاولاتٌ غير مترابطة، للعمل وفق مقتضيات سياسية. وفي حضور مصر اجتماعات الاتحاد الأفريقي، ظهر "إعلان مالابو" في يونيو/ حزيران 2014، في بيان مشترك عقب لقاء بين الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ورئيس وزراء إثيوبيا السابق، هايلي مريام ديلاسين، ثم "إعلان المبادئ" الذي وقعه في الخرطوم في مارس/ آذار 2015، السيسي والرئيس السوداني (المخلوع لاحقا) عمر البشير وديلاسين، وذلك محاولة لضبط الإطار القانوني وامتصاص الفجوة القائمة. وعلى الرغم من تلاقي إعلان المبادئ مع الصياغات التقليدية في الاتفاقات الدولية، فإنه عانى من نقصين، تسبّبا في إثارة الجدل بشأن جدوى الالتزام به. يتمثل الأول في الترابط ما بين الالتزامات المتبادلة واشتراط الإجماع (المادة 10) على مشاركة وسطاء لتسوية الخلاف بين الدول الثلاث. تُعد هذه النقطة فريدةً في تسوية المنازعات الدولية، حيث لم يكن متخيلاً إمكانية تسوية خلاف حيوي ومؤثر على البيئة الحية من دون الاستعانة بمساعدة أطراف أخرى، أو النص على اللجوء للتحكيم الدولي. وارتبط النقص الثاني بطبيعة سياسة أو "استراتيجية" التفاوض. ويمكن اعتبار الفترة منذ 2015 كافية لتكوين موقف سياسي، يرمم مرحلة الارتباك السابقة عليها، فقد تجاوزت الدولة المصرية مرحلة تفكك السلطة، وتمكّنت من إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، لكنها ظلت مستغرقةً في المسارات الفنية للمفاوضات ذات الحلقة المفرغة، ولم تتمكّن من توفير مظلة سياسية مساندة للإلزام المتبادل بـ"إعلان المبادئ"، وتقييد عدم التلازم ما بين التفاوض وتشييد السد، وهي التي شكلت فجوة سياسية، لا تتناسب معها النتائج المتخيلة للتفاوض.

ظلّت أنماط التفاوض في دائرة الخلافات الفنية، ويصاحبها غموضٌ في استراتيجية الانتقال إلى المستوى السياسي، أو وضع تعريف واضح للخطر الجسيم والمستويات الأخرى من المخاطر

بشكل عام، لا تعد النصوص القانونية بذاتها مناط حفظ للحقوق أو حماية لها، فحجة الاتفاقيات متعدّدة الأطراف تتوقف على قدرات الدولة واستراتيجتها في حماية النص القانوني. وفي بعض فائض القوة أو الفجوة التفاوضية، يمكن لواحدٍ من الأطراف فرض تفسيرٍ للنص ومحتواه. وهنا تبدو أهمية استراتيجيات التفاوض وطريقة تكوين البدائل والانتقال من مرحلة إلى أخرى.
في حالة سد النهضة، ظلّت أنماط التفاوض في دائرة الخلافات الفنية، ويصاحبها غموضٌ في استراتيجية الانتقال إلى المستوى السياسي، أو وضع تعريف واضح للخطر الجسيم والمستويات الأخرى من المخاطر، ساهمت هذه الحالة في تعضيد إثيوبيا، بالاستحواذ على المياه وتصريفها.
وكانت الملاحظة المشتركة في مسار التفاوض ماثلةً في ضعف المحتوى السيادي في إدارة النزاع حول المياه، وهي حالةٌ تراكمت بجانب الانهماك في المساومات الفنية، ورفض إثيوبيا الاتفاقيات السابقة. كان من الممكن أن يكون النظر إلى إنكار إثيوبيا الالتزام القانوني السابق تعبيراً عن حالة الخطر الجسيم، وذلك باعتبار أن تغييبه يطلق العنان لقواعد جديدة، تقوم على حق التخزين المطلق للمياه من دون الاعتراف بحقوق الآخرين. في هذا السياق، ظلت المفاوضات مبعثرةً، وتباعدت المواقف السياسية، وصولا إلى توقف التفاوض، والسعي إلى التدويل حلا بديلا للحصول على الدعم الإقليمي.

فروق مصر والسودان
منذ فترة الرئيس السابق، في السودان، عمر البشير، بدا اختلاف في إدراك المصالح لدى كل من السودان ومصر، وظل يمثل فجوة في بناء موقف مشترك. وقد ساعد التلاقي الموسمي في مواقف قصيرة المدى على تكوين نتيجتين؛ تمثلت الأولى في ترك فرصة لإثيوبيا في ترتيب الأجندة التفاوضية والاستقرار على موقفها. وتمثلت الثانية في استمرار حالة من الشك لتلاقي المواقف تجاه تصاعد أزمة السد.

بعد انفضاض جولة كينشاسا، أعلنت وزارة الري السودانية عن تطوير سد الروصيرص، لتلافي مخاطر انهيار السد الإثيوبي

وبشكل عام، لا يمكن رسم خط بياني واضح لمواقف السودان، وفيما كانت سياسة الحكومات، في غالب الوقت، تشير إلى المنافع المترتبة على المشاريع الإثيوبية، لم تكن مواقفها متماسكةً في تعريف المخاطر الحالية أو الآجلة.
وبعد انفضاض جولة كينشاسا، أعلنت وزارة الري السودانية عن تطوير سد الروصيرص، لتلافي مخاطر انهيار السد الإثيوبي. وبغض النظر عن الاختلاف مع خطاب المنافع، يمكن النظر إلى هذا التصور باعثاً على إنشاء خلاف جديد، يتطابق مع ميول جانب من الحكومة السودانية مع السياسة الإثيوبية. وقد أشار وزير الري، يوسف عباس، إلى تقييم متفائل من نتائج المفاوضات. وفي مؤتمر صحافي، 6 أبريل/ نيسان الجاري، سرد ما كان من قصص التفاؤل بحل 95% من الخلافات الفنية بحلول عام 2019 ووضع جداول دقيقة للملء، غير أن ثمّة غموضا في التحفظ على المقترح الأميركي، واتساع الخلاف على الملء الثاني، واقتراح الانتقال إلى وسطاء دوليين، وإعادة صياغة منهجية التفاوض، وهي طريقة أقرب إلى الأسقف المتأرجحة.
وعلى مستوى البلدين، إثيوبيا والسودان، تفرض التحديات الداخلية واندلاع الحرب بينهما قيوداً إضافية على مفاوضات سد النهضة، من وجهة أنها تعيد ترتيب الأولويات. فمن جهةٍ، تحاول إثيوبيا تحديد جداول استباقية بالإعلان عن الملء الثاني، فيما من جهة أخرى، يحدُث تحوّل الموقف السوداني نحو إدراك مخاطر سد النهضة.

إلى جانب مراجعة سياستها الأفريقية، اتجهت مصر إلى تدويل الخلاف بشأن إدارة مياه النيل الأزرق

ويساهم توجه مصر في الانخراط في عملية "سلام جوبا" لإحياء التعاون العسكري مع السودان، في دعم التغيير في تقريب النظر إلى مخاطر السد. قد يكون التعاون العسكري واضطلاع جيش السوان ببسط سيطرته على الحدود الشرقية مؤشّراً إيجابياً في ترقية العلاقات الثنائية، غير أن هذه السياسة تواجه بيئةً انقسامية، ما بين مجلس السيادة/ الجيش السوداني والحكومة الانتقالية، تقوم أسسها على تقديم روايتين للموقف من السد الإثيوبي، فبينما يميل مجلس السيادة إلى الدخول في المفاوضات على أساس وجود مخاطر حقيقية، روّجت وزارة الري غلبة المصالح على المخاطر. ولا يوفر هذا السياق ضمانة مستقرّة للعمل المشترك ما بين مصر والسودان، حيث يرتبط مجلس وزرائه بتطلّعات أكثر ارتباطاً بإثيوبيا، وبصورة تحول دون الاطمئنان لإنجاز المرحلة الانتقالية، أو وجود رغبة في تجنب أسباب الانقسام الداخلي.

محاولات التدويل
في نهاية 2019، بدأت مصر في تدارك قصور السنوات السابقة. وإلى جانب مراجعة سياستها الأفريقية، اتجهت مصر إلى تدويل الخلاف بشأن إدارة مياه النيل الأزرق. وبدأت اجتماعات في واشنطن بمشاركة مراقبين من الولايات المتحدة والبنك الدولي، فبراير/ شباط 2020. نتج عنها إطار لتسوية النقاط الخلافية، وبينما وافقت عليه مصر، امتنعت السودان عن التوقيع، ورفضته إثيوبيا. وفي يوليو/ تموز 2020، بدت تجربة اللجوء لمجلس الأمن مخيبةً للآمال، لم تفلح محاولات تدويل المفاوضات في ضم أطرافٍ أخرى. ويمكن النظر إلى أدوار الولايات المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأفريقي في منتدى نقاش حول قضية حيوية لا يتمتعون فيه بمهمة الوسطاء. وقد ظلت هذه التوجهات محدودة الأثرين، السياسي والقانوني.
ويمكن قراءة محاولات تدويل النزاع وأداء الاتحاد الأفريقي في تعديلات القانون الدولي للأنهار. ويشكل الإطار الأفريقي قيوداً على التصور المصري في مشكلة المياه. يتبنّى الاتحاد الأفريقي مبدأ إلغاء الاتفاقيات السابقة، بجانب قواعد أخرى، وردت في مبادرة عنتيبي التي وقعت عليها دول المنبع، في العام 2010، تدعم فكرة تقاسم المياه بشكلٍ يعيد تكييف الالتزامات ما بين دول المنابع ودول المصب، على أساس تعريف الحوض النهري المشترك، بما يتيح تقسيم المياه على معيار النطاق الجغرافي للنهر. وترجع هذه التوجهات إلى تعديلات قانون الأنهار الدولية في يونيو/ حزيران 1997 في تعديل  (المادة 2/ د)، ودخلت حيز التنفيذ في أغسطس/ آب 2014، ويسمح بنقل اختصاصات دول مشتركة في النهر إلى دولة عضو في التجمع الاقتصادي، المنظمة الإقليمية للتكامل الاقتصادي، بغض النظر عن ارتباطها جغرافياً بالنهر الدولي.

لا يعد توافر القدرات العسكرية شرطاً كافياً للانتقال إلى مرحلة الحرب، حيث يتطلب استخدامها توفير بيئة حاضنة تضمن تحقيق هدفها ومكافئة للتداعيات المحتملة

لا تبدو المشكلة هنا متعلقةً بنقل المياه إلى نطاق خارج المجرى الطبيعي للنهر، لكنها تتعلق بنقل الاختصاص السيادي في إدارة المشروعات بطريقةٍ ملزمةٍ للأطراف الأخرى. وفي حالة السد الإثيوبي، يتّضح أن جذر الخلاف يدور حول شمول القانون أطرافا خارج نطاق مجرى النهر، وتمتعها باختصاصات متساوية، وذلك على حساب القواعد التقليدية في الإدارة والسيادة المشتركة والمجرى الطبيعي وغيرها. وجزئياً، يمكن تفسير إصرار إثيوبيا على فكرة السيادة وتطلع حكومة السودان إلى التطبيع مع إسرائيل، بما يشكل انزياحاً نحو تفعيل التوجهات القانونية الجديدة. وهذا ما يكشف جانباً من تعقيدات التعامل الدولي مع المشكلات متعدّدة الأطراف.

جدل حالة الحرب
لا يعد توافر القدرات العسكرية شرطاً كافياً للانتقال إلى مرحلة الحرب، حيث يتطلب استخدامها توفير بيئة حاضنة تضمن تحقيق هدفها ومكافئة للتداعيات المحتملة. ويمكن تفسير الإشارة إلى تداعيات حروب خاضتها مصر في القرن الماضي في أعوام 1962 في اليمن و1967 مع إسرائيل بجانب غزو العراق الكويت في 1990 من وجهين: يتمثل الأول في التداعيات نتيجة اشتعال الحرب، وهو اتجاه يشير إلى مخاطر الآثار السياسية. ويشير الوجه الثاني إلى أن خوض حربٍ بعيدة عن الحدود كان له تداعيات متماثلة على الدول الأخرى. وفي ظل نقص شديد في المعلومات عن معطيات الحل العسكري والقيود على استخدامه، ينصبّ ما يتبقى من نقاشٍ على مراجعة استواء ووضع المسار السياسي مؤشراً على كيفية تجميع قدرات الدولة، وتأهيلها للتعامل مع الأزمة الحدية.
وحتى الآن، يربط الخطاب المصري حالة عدم الاستقرار بالهجرة الخارجية ومصاعبها الدولية. وبغض النظر عن مستوى التعبير الرسمي عن هذه التأويلات، فهي تعكس نمطاً من الامتصاص السلبي لتداعياتٍ استراتيجيةٍ، تتعلق بآثار بيئية جسيمة على المجتمع والدولة. وهنا يمكن الإشارة إلى نمط من القيود المتعلقة بالمفاضلة ما بين معالجة الاقتصاد الكلي وعمليات هيكلة العلاقات الاقتصادية وسياسة توزيع الدخل القومي.

لا يشكل الانسحاب من إعلان المبادئ حلاً مناسباً. وقد يكون من الأفضل البدء في بناء موقفٍ متماسك دبلوماسياً، ولا يهمل الحل العسكري

وطوال هذه السنوات، ظل تناول المذكرات وتبادلها منحصرين في أروقة لجان التفاوض. واقتصرت بيانات الري والخارجية على التلميح إلى سياقات عامة لانعقاد الجلسات وانفضاضها، من دون توضيح محتوى الوفاق والخلاف بشكل أحدث مشكلة لدى المتابعين في تقييم طبيعة التطور في التفاوض وأسباب الفشل، والعودة ثانية إلى نقطة البداية. ويمكن النظر إلى حيرة الرأي العام حالة مشتقة من ندرة المنشور عن محتوى التفاعلات، على مدى السنوات الماضية، وصعود الخطاب السياسي وانخفاضه. 
حالياً، تبدو البدائل السلمية، غير المستغلة، ملائمة للوصول إلى اتفاق ملزم على أساس المصالح المشتركة. ولكن تحديد النقطة الحرجة للانتقال إلى حالة الحرب يظل خياراً أخيراً، مرتبطاً بالتوقف عن الإجراءات الإثيوبية الأحادية، والتمهيد لإطار قانوني متماسك. وبهذا المعنى، يُعد الموقف من الملء الثاني فاصلاً في التعامل مع السد الإثيوبي.
وترتبط معضلة السد الإثيوبي بطريقة تقييم جدوى التفاوض. وفي هذا السياق، لا يشكل الانسحاب من إعلان المبادئ حلاً مناسباً. وقد يكون من الأفضل البدء في بناء موقفٍ متماسك دبلوماسياً، ولا يهمل الحل العسكري. يقوم على وضع تصنيف للسلوك الإثيوبي وفق معايير المصالح والخطر الجسيم. وتبدو أهمية وجود مثل هذا التصنيف في وضوح طريقة الانتقال من مرحلة إلى أخرى، والإجراءات المناسبة لتصرفات الأطراف الأخرى. سياسياً، يركّز الخطاب المصري على التمسّك بكل الحق في المياه، مع هامش مناور بالخيارات المفتوحة، والتهديد بحالة عدم استقرار غير مُتصَورة، ولم تكن هناك إشارات واضحة للتلويح بالحرب. 
وفقاً للسياق السابق، يبدو الحديث عن "الفرصة الأخيرة" غير كافٍ، ما لم يكن مصحوباً بخريطة واضحة للوصول إلى حل نهائي، يضمن السيادة المشتركة على موارد النهر وطريقة تسييرها. وإزاء تصاعد التباعد السياسي، يرتبط نجاح السياسة المصرية في تثبيت وضع قانوني وفعلي، يمنع إثيوبيا من المضي في الإجراءات المنفردة، أو تعطيل المشروع الإثيوبي، وتجنب سياسات تتضمن نوعاً من ترحيل التداعيات لجيل قادم، سوف يواجه مشكلات التغيرات البيئية الحادّة، ما يلقي أعباء على الاستمرار في استراتيجية تفاوضية معتدلة.