مشاهد من الفوضى الأفغانية

مشاهد من الفوضى الأفغانية

19 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

وضعت النمطية الأميركية الحديثة بصماتها المعتادة على واحدٍ من أغرب مشاهد الأحداث في العاصمة الأفغانية كابول، بداية هذا الأسبوع، بلقطةٍ حبست أنفاس كل من تابعها على الهواء مباشرة عبر الشاشات. جمع غفير من المواطنين الأفغان وغيرهم يركضون تحت هيمنة طائرة أميركية تدرج على أرض المطار الأفغاني، بعيد دخول قوات "طالبان" وإمساكها بزمام الأمور بعد غيبة عقدين. المشهد غير مسبوق، بهذا الشكل الذي فاضت حدوده بمئاتٍ من المواطنين الأفغان الذين كانوا يحاولون التعلق بكل ما للطائرة صلة له، كمن يتعلق بقشّة في بحر من الفوضى العارمة، خلفتها وراءها القوات الأميركية المنسحبة من الساحة الأفغانية كعادتها عند كل انسحابٍ مستحق من أرض بعيدة وغريبة عنها!

الطائرة كما تقول المعلومات التي وردت لاحقا مصمّمة لمائة وخمسين راكبا، وهو ما يغطي ويزيد قليلا على عدد المواطنين الأميركان المطلوب إجلاؤهم، لكن قائد الطائرة قرّر، كما يبدو، تحت وطأة ما يراه من فزع تملّك ذلك الجمع الأفغاني أن يأخذ معه كل من استطاع إلى باب الطائرة سبيلا، حيث بدا الركاب في إحدى الصور الملتقطة لهم داخل الطائرة وهم يفترشون أرضيتها متلاصقين جنبا الى جنب، في مشهد آخر من مشاهد الغرابة الأميركية بالنكهة الأفغانية.

هل يمكن لقائد طائرة تابعة لأقوى دولة أن يتصرّف على هذا النحو العشوائي، وأن يتخذ قرار إجلاء من لا يعرفهم يقينا، ولا يعرف في تلك اللحظة، إلى من ينتمون بالضبط وما هي نياتهم في الصعود ولا كيف يمكن استقبالهم في الولايات المتحدة؟ نتذكّر على هذا الصعيد مفاوضات أميركا منذ شهور مع دول خليجية لاستضافة من سمتهم المترجمين الأفغان وأسرهم في طريقهم إلى الولايات المتحدة، فكيف نتلقى مشهدا كهذا المشهد، باعتباره وليد اللحظات العشوائية على سبيل المثال؟

مشهد ثالث غريب وصادم إلى حد الوجع، بطلاه هذه المرة اثنان ممن تعلقوا بعجلات الطائرة كما يبدو وهي تقلع، لكنهما سقطا بعيد ارتفاعها في السماء بقليل، ليلقيا حتفيهما على الأرض التي هربا منها ضحيتين للحلم الأميركي الهارب على عجلة من أمره!

الطائرة نجحت أخيرا في التحليق باتجاه الولايات المتحدة، وهي تحمل هذا العدد المهول من البشر، الخائفين لسببٍ أو لآخر من الحكم الطالباني الجديد، حيث وصلوا ووزّعوا على مراكز إيواء اللاجئين في أميركا، تاركين خلفهم أسرهم وبيوتهم تحت ظلال المجهول، مفضلين خيار الخلاص الفردي في قراراتهم السريعة تحت وطأة الدهشة مما حدث مفاجئا!

مشاهد أخرى حرصت عدسات المصوّرين على التقاطها في الفوضى الأفغانية، بدت لنا كمشاهد سينمائية قرّر المخرج تصويرها قبل إعادة المونتاج لترتيبها كأنها فيلم متكامل كالعادة، فما جرى في أفغانستان جرى في بلادٍ أخرى، وفي كل مرّة يقرّر سيد البيت الأبيض اتخاذ قرارٍ من هذا النوع، غير آبهٍ بمصائر البشر الذين ورّطتهم سياساته وصدّقوا وعوده. ولكن الجديد هذه المرّة ان الفيلم المشوق جرى تصويره على الهواء مباشرة بلقطاته المتفرّقة، فتارة نرى الطالبانيين وهم يقتحمون قصر الرئاسة، ويجلسون في مكتب الرئيس الهارب، ثم يبدأون بتلاوة آيات من القرآن الكريم تبشّر بنصر المجاهدين. وتارة أخرى نراهم في مشهد سوريالي آخر وهم يمارسون الرياضة في صالة الألعاب الملحقة بالقصر بحركاتٍ كوميديةٍ، يبدون معها وكأنهم لم يروا بحياتهم مثل هذه الأجهزة. وتارة ثالثة نراهم بمشاهد تذكّرنا بماضيهم القريب في إدارة شؤون البلاد والعباد، وكأنهم مخلوقاتٌ أتت من "الجاهلية الأولى" لتدير شؤون بلادٍ تنتمي للقرن الحادي والعشرين.

ومن الواضح أن كل هذه المشاهد حتى وإن بدت لنا عشوائية عفوية، مرسومة سلفا، فالعرض مستمر لأن الفيلم لم ينته بعد، وسنبقى في مقاعد المتفرّجين حتى يضع لنا المخرج عبارة "ذا إند".