مساكين البحر

30 سبتمبر 2020
الصورة

صيادون فلسطينيون قبالة رفح جنوب قطاع غزة (2/9/2020/فرانس برس)

+ الخط -

الليالي كثيرة تلك التي التفُّوا فيها حول الأم، وحلموا معها، وهم ينظرون إلى القمر، معتقدين أنّ حلمهم بعيدٌ مثله، فيما كانت الأم تفكّر، وتخطِّط؛ لكي يصبح الحلم حقيقة، ولم تكن تعلم أنَّ الأحلام البسيطة التي يرسمها الفقراء، وهم يلتفُّون حول أمَّهاتهم، هي بَرُّ أمانهم، وملاذهم الوحيد الصامت دومًا، الراجف حبًّا، اللاهث لسانًا؛ بالأدعية، سوف يأتي من يقوِّض تلك الأحلام، ويسلبهم حياتهم معها، ويترك حسرةً في قلب الأم؛ حتى آخر أنفاسها.

لم يكونوا يعرفون، أو يتخيَّلون، أن حلمهم سوف يتحوَّل إلى كابوس مفزع، وسوف يحوله إلى أثرٍ بعد عين رصاصٌ بلا عين ليرى، ولا قلب ليشفق، ولا يتوقَّف إلا إذا فاحت رائحة الدم في البحر والبر، ووصلت إلى عرش ربّ السماء؛ فيهتزّ غضبًا، ويتوعَّد إلى حين.

كان حلمهم صغيرًا، وهم مساكين، إلى درجة لا تتخيّل، إلى درجة أنهم قد أمضوا حياتهم بين البحر والبيت الصغير، باحثين عن لقمة العيش الصعبة، والتي ينتزعونها من فم موتٍ فاغر، ولم يكونوا يعرفون أن الموت سوف يأتي، وهم يصارعون موتًا بموت، فهم يصارعون البحر، والموج، وغدر ذلك الوحش الباقي، منذ قرون، ولا يعرف هؤلاء المساكين أنَّ عليهم أن يتوقَّعوا الموت من فوق رؤوسهم، عن بعد، أو عن قرب، وأنَّ البحر المتوحِّش سوف يفغر فمه المرعب؛ لهول ما يرى، وربما سوف يُصدَم؛ لأن هناك من يُنازعه في نشاطه المحبَّب، فهو يصارع مساكين البحر، وقد ينجون، وقد يبتلعهم في جوفه، مع قواربهم وشباكهم وحبالهم، ولكنه يمارس هوايته، ويعرف أن مساكين البحر لا ينقرضون، وينسلُّون من الأرض التي ضاقت بهم، ويتوجَّهون صوبه، صوب نجاة، أو موت أخير.

هم مساكين البحر. والتعبير يحمل من الدقَّة، بقدر ما تحمل قلوبنا من الألم على فقدانهم، فثلاثة إخوة ركبوا قاربا تدبَّروا ثمنه بدين ورهن، حتى أصبح تحتهم، وركبوا البحر، وكلهم أملٌ في أن يجدوا لقمة عيشٍ تكفيهم، وتدبَّروا سداد دينهم، وفكَّ رهنِ مصاغ أختٍ تتقصَّى وجعهم، وهي في بيتها. ولذلك هم مساكين؛ لأنهم ركبوا البحر غارمين، وكلمة مسكين دقيقةٌ في الوصف، كما وردت في القرآن الكريم في أكثر من موضع، وقد يعجب متعجِّبٌ بأنها وردت وصفًا لأصحاب السفينة، فكيف يكون المساكين من مُلَّاك السُّفُن، وقد وردت رواياتٌ أن أباهم كان تاجرًا، حتى جارت عليه تجارته. وهذا هو وصف المسكين، فهو صاحب نعمة سابقة. ولهؤلاء، أبناء البحر، تاريخٌ طويلٌ في سعة الرزق، حتى ضاق بهم. وكما أن المسكين هو من لا ظهر له، ولا سنَد، فلا واسطة ولا مسؤول لدى الملك الذي يغتصب السفن، وينهب خيراتها؛ لكي يفرج عنها، أو يتجاوزها. ولذلك فقد عابها الخضر عليه السلام؛ لكي لا يأخذها الملك الظالم غصبًا، وقارب المساكين الشباب الثلاثة لا يوحي بترفٍ، ولا شرّ؛ لمن ينظره من بعيد، فهو ليس لأثرياءً يتنزهون في البحر، ولا لقراصنة بحر، ولا حتى لقنَّاصة بَرّ، فمن يركبونه، ويمخرون عباب البحر هم شباب على "باب الله" لا يريدون سوى أن يحموا أنفسهم من ذلِّ السؤال، ويبلغ فيهم الطمع مبلغه؛ فيحلمون بأن يصبح لكلِّ واحدٍ فيهم أسرةٌ صغيرة، وبيت ضيِّق، لكنه يشعُّ دفئًا ومودَّة.

مساكين البحر رحلوا، وتلطَّخ البحر بدمائهم، وتعجَّب البحر؛ لأنه لم يكن ينوي أن يغدر بهم، بل بكت أعماقه عليهم، وأُعجب بنخوتهم وشهامتهم، حين أنقذوا صيَّادين غيرهم، كادوا يضلُّون طريقهم وسطه، وقرَّر أن يرفع يده الجبَّارة عنهم.

مساكين البحر كان لهم بيتٌ صغير على الشاطئ، وكانت شجرةٌ عملاقةٌ تستظلُّ في حوش البيت، وتستعدُّ لكي تصبح جذوعُها حطبًا لشتاء مقبل، وأن تُفسح مكانها لغرفة صغيرة، يتزوَّج بها أحد الأشقِّاء. ولذلك استيقظت ذات صباح؛ فاكتشفت أنها ترتوي بدموع أمٍّ ثكلى وأبٍ مكلوم، فلفظت أنفاسها، ومالت على جنبها؛ حزنًا وغضبًا، ماتت الشجرة بموت حُلمِ أهل هذا البيت؛ لأن كلَّ جريمتهم أنهم من مساكين البحر.

دلالات