ما زال التطبيع مع الأسد بعيداً

ما زال التطبيع مع الأسد بعيداً

12 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

بدا النظام السوري متعجّلا في إنجاز "اتفاقيات" درعا، وكان قد حشد لها فرقته الرابعة، كاملة بكلّ عتادها ووحشيّتها، ورافقتها فرق المرتزقة الوافدة من خارج البلاد. حاصرت قواته المدينة، وأغلقت كل المنافذ المؤدّية إليها، وهو يرغب في وضع يده على المناطق التي ما زالت تتمتع بشيءٍ من حريةٍ ذاتية، انتزعتها باتفاقٍ سابقٍ مع ضامن روسي، يبدي اليوم تحيّزا جديدا، متخلّيا عن قناع النزاهة الذي ارتداه عندما وقع تلك الاتفاقيات. أراد النظام أن يضمن طريقا خاليا وآمنا من الأردن وإليه، تؤمن له مواصلات نحو الجنّة الخليجية التي شكلت درعا عقبة عسيرة في سبيل الوصول إليها، تزامنا مع سريان حمّى المؤتمرات التي تعقد في الجوار السوري، كمؤتمر بغداد، أو مؤتمر عمّان الذي شارك فيه وزير من حكومة النظام بشكل مباشر، وزيارة وفد لبناني رسمي، وصفته الصحافة العالمية بالرفيع، وقد جاء بعد انقطاع زمني عشر سنوات... كل هذا الهرج السياسي كان حاضرا في أثناء محاولات النظام السيطرة على درعا بالشكل والطريقة التي يريدها. وبوجود الفرقة الرابعة وفرق الموت الطائفية، لن تنجز مثل هذه الاتفاقات، إلا بمشهد باصات التهجير الخضراء التي تَظهر عادة بعد كل عمليةٍ من هذا النوع، فتتم الصفقة على حساب الأبرياء الذين يهجّرون من أرضهم ومساكنهم نحو المجهول.

يعود النظام دائما إلى خطته القديمة والوحيدة التي يبرع في استخدامها، وطالما أنقذته من أزماتٍ كبرى، كادت تطيح به عبر السنوات الخمسين الماضية، حيث لعب حافظ الأسد، وابنه من بعده، دور رئيس الجمهورية. والخطة هي الاستفادة من أزمات الجوار وتوظيف الموقع الجغرافي في محاولة إيجاد الحل لها، وكان ذلك بارزا في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، حين كان النظام يمارس دور "البروكر" في حروب الخليج والحرب اللبنانية. وقد كان انخراطه في الكويت بارزا، بالمشاركة العسكرية المباشرة في الحرب إلى جانب الولايات المتحدة، في حين كان النظام السوفييتي، الحليف السابق، يجثو على ركبتيه، وقد أصبح جثة هامدة. كان على النظام أن يجد "جيفة" جديدة يقتات عليها وتعطيه انطلاقة، بعد أزماته الداخلية في الثمانينيات، والتي جعلت خزائنه خاويةً، واقتصاده منهارا، فلعب دوره العسكري والسياسي بما لا يتناسب مع "إيمانه" العقائدي. وهذا الموقف مدّ في عمره عقدا جديدا، وأطلق يده في لبنان، ليصبح اللاعب الوحيد، بعدما كان مجرّد ممثلٍ على خشبةٍ تعجّ بأبطال كثر. واليوم، وهو يقف على أعتاب التهاوي الاقتصادي، يحاول أن يزيح أهل درعا، ليحول المنطقة إلى أنابيب نقل الطاقة إلى الجوار، ويلعب دور الحارس الأمين على وسائط النقل، ويحقق العائد الذي يتيح له البقاء فترة أطول.

قد لا يدرك النظام، وهو بهذه التركيبة وهذا الفهم الوصولي والممارسة الوحشية، أن من الصعب حتى على المجتمع الدولي، المتناقض والقائم على أنانية سياسية مفرطة، أن يتقبله، وهو قد تجاوز كل الخطوط الممكنة للعودة إلى الوراء، بعد السنوات العشر الكارثية التي مرّت على سورية. وقد استهلك فيها بمساعدة شريكيه، الروسي والإيراني، كل ما هو متاح، واستطاع إعادة إخضاع مساحاتٍ كثيرة خرجت عن سيطرته، مستغلا حالة الركود وعدم الاكتراث التي أحاطت بكل ما يخص الملف السوري، لكن أوروبا وأميركا تشبثتا بسياسة المقاطعة وإقرار العقوبات، وإضفاء جانبٍ "شرعي" على مناطق الشمال والشمال الشرقي، باستمرار الوجود العسكري والإصرار على وجود معابر إنسانية، لا تتبع للنظام، وهذا مؤشّر على أن عودة النظام، وهو بهذه الصورة التي يحافظ عليها منذ جاء إلى السلطة، مستحيلة، وحلوله في درعا أو رعايته خطوط مواصلات أو طاقة لن يحوّله إلى عضو سياسي كامل، فهو فاقد الأهلية في نظر مواطنيه، وفي نظر المجتمع الدولي، ولا يحظى باحترام حتى من شركائه، الذين ما زالوا يدعمونه، لكن بالتأكيد ليس إلى الأبد.