مات ولم يطبّع

08 أكتوبر 2020
الصورة

صباح الصباح في مباحثات مع بوتين في سوتشي (10/11/2015/الأناضول)

+ الخط -

"مات ولم يطبّع".. وردت هذه العبارة في معظم التغريدات والمقالات التي دوّنها مغرّدون وكتاب عرب، طوال الأسبوع المنصرم، في رثاء أمير الكويت الراحل، الشيخ صباح الأحمد الصباح، رحمه الله. وفي هذه العبارة ملمحٌ واضحٌ وقويٌّ من ملامح السياسة الكويتية في كل مفاصلها التاريخية. والتي تأكدت على يد الأمير الراحل، وخصوصا أنه عاصر أخطر مرحلةٍ مرّت بها الأمة على صعيد التطبيع مع الكيان الصهيوني. 

وفي استقراء سريع للسياسة الخارجية الكويتية منذ استقلالها في العام 1961، يستطيع المتابع أن يرصد البصمات الواضحة للشيخ صباح الأحمد فيها، أي منذ أصبح وزيرا للخارجية في ثاني تشكيل حكومي بعد الاستقلال في فبراير/ شباط 1963 وحتى رحيله، مرورا بالفترة الطويلة التي امتدت لأربعة عقود تقريبا أمضاها في هذا المنصب الذي شكل من خلاله سياسة خارجية اعتمدت على ثوابت أساسية في معظم القضايا التي تماس فيها اسم الكويت مع العالم. 

وإذا أردنا أن نتناول واحدة من أهم هذه القضايا نموذجا لمعنى السياسة الخارجية للكويت ومضمونها، وفقا لرؤية الأمير الراحل، لن نجد أوضح من قضية فلسطين، باعتبارها أهم قضية عربية وإسلامية وعالمية، كانت دائما في مركز اهتمامات السياسة الكويتية. فلا تخفى على أحد المحاولات الدؤوبة والمستمرّة للكيان الصهيوني من أجل إقامة علاقة طبيعية معه، والقضاء على حركات مقاومة التطبيع معه. ويستخدم الكيان الصهيوني في ذلك ذراعه العالمية الممثلة في الحركة الصهيونية العالمية باستخدام سياسة العصا والجزرة، لتحطيم هذه المقاومة، وجعل الدولة تلو الأخرى تهرول في اتجاه التطبيع معه.

وكانت الكويت دائما في طليعة الدول التي ترفض التطبيع مع الكيان الصهيوني، وقاومت كل المحاولات التي تضغط على الدول الخليجية من أجل التطبيع مع هذا الكيان. ومنذ تولي الشيخ صباح الأحمد مقاليد الحكم، تعلن الكويت على لسان وزراء خارجيتها في كل المحافل الدولية أنها ستكون آخر دولة تطبع مع الكيان الصهيوني.

وفي شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، استضافت الكويت أول مؤتمر خليجي لمقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني، تحت عنوان "مقاومة التطبيع في الخليج العربي"، نظمته حركة "مقاطعة إسرائيل في الخليج"، وعقد تحت رعاية رئيس مجلس الأمة الكويتي، مرزوق الغانم. وقد طالب المؤتمر بضرورة توحيد الجهود الشعبية للتصدّي لعملية التطبيع المتزايدة بين الأنظمة العربية والاحتلال الإسرائيلي، بما فيها دول مجلس التعاون الخليجي، كما كان من بين توصيات المؤتمر تطوير القوانين والأنظمة المحلية لإقصاء الشركات الأجنبية المتورّطة في جرائم الاحتلال.

ولعل تلك الرسالة الفريدة التي أشاد فيها الأمير الراحل برئيس مجلس الأمة، مرزوق الغانم، بعد موقفه الحازم ضد رئيس وفد الكنيست الإسرائيلي، في الجلسة الختامية لمؤتمر الإتحاد البرلماني الدولي في بطرسبورغ، تعبر عن حجم الإهتمام بالقضية الفلسطينية في وعي الأمير الراحل. والمناسبة تقتضي إعادة قراءة هذه الرسالة الفريدة، حيث قال الأمير الراحل في رسالته:

"معالي الأخ مرزوق علي الغانم الموقر، رئيس مجلس الأمة: تحية طيبة وبعد؛ تابعنا بكل الاهتمام والتقدير ردّكم الحازم على رئيس وفد الكنيست الإسرائيلي، وتصدّيكم له في الجلسة الختامية لمؤتمر الاتحاد البرلماني الدولي في مدينة سانت بطرسبورغ في روسيا الاتحادية، على خلفية موضوع النواب الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، ومطالبتكم للوفد الإسرائيلي بمغادرة القاعة، مشيدين بهذا الموقف المشرّف الذي كان محل تقدير ممثلي الدول العربية الشقيقة والدول الصديقة المحبة للسلام في هذا البرلمان الدولي، والذي يجسد جليا موقف دولة الكويت الداعم للأشقاء الفلسطينيين، لاستعادة حقوقهم المشروعة، ونصرة قضيتهم العادلة".

تلك الرسالة التي أشادت بموقف رئيس مجلس الأمة الكويتي هي، أولا وأخيرا، تعبر عن التاريخ الطويل والمشرّف لموقف دولة الكويت تجاه القضية الفلسطينية العادلة، وهو الموقف الذي يعبّر عن مكانة الكويت خليجيا وعربيا ودوليا، فمكانة الأوطان لا تقاس بحجم مساحتها، وإنما بحجم دورها ومواقفها المشرّفة تجاه القضايا العادلة، مثل موقفها من القضية الفلسطينية، وهو الموقف الذي شهد نقلةً نوعيةً في عهد الشيخ صباح الأحمد رحمه الله.. واستدعى ذلك النوع الخاص من الرثاء العربي العام له؛ مات ولم يطبّع.