ليلة القبض على العم جو

ليلة القبض على العم جو

24 اغسطس 2021
الصورة

بايدن يتحدث في البيت الأبيض عن الوضع في أفغانستان (22/8/2021/Getty)

+ الخط -

من غير مبالغاتٍ أو تعسّف في قراءة ما وقع في كابول، ليلة الخامس عشر من شهر أغسطس/ آب الجاري، يمكن اعتبار تلك الليلة الليلاء، ليلة القبض على الرئيس الأميركي، جو بايدن، نائماً في أثناء نوبة الحراسة، وهو بعدُ في ملابسه الداخلية، الأمر الذي ضاعف من ارتدادات ذلك الزلزال السياسي العنيف، وفاقم من تداعيات فشل أقوى قوة على وجه الأرض أمام حركة أصولية سبق طردها من العاصمة الأفغانية، بتجريدةٍ عسكريةٍ طائشةٍ استمرّت عقدين من دون طائل.
صحيحٌ أن العم جو لم يقع أسيراً بين أيدي حركة طالبان، ولم يجر سوقُه مخفوراً إلى قندهار، إلا أن مقدم المقدمين في حلف الناتو، وزعيم زعماء العالم، وقع أسيراً في سوء أدائه القيادي، وحصد مبكراً غلال الدبلوماسية الدرداء، وتهافت افتراضاته الكلية إزاء الممكنات الواقعية لانسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط الكبير، من غير إراقة ماء الوجه، وأيضاً من غير التنازل عن شعارات حملته الانتخابية المتعلقة، وفي القلب منها مسألة حقوق الإنسان.
ولعل هذا الفشل السياسي المدوّي في أفغانستان، الذي بدأت نُذُره المبكّرة في عهود رؤساء أميركيين سابقين، لم يكن من صنع جو بايدن وحده، غير أن الرئيس المفعم بحسن النية، المسكون بفكرة أن الدبلوماسية هي الحل لكل معضلات هذا العالم، بما في ذلك الشرق الأوسط، بات حبيساً لرؤيةٍ مثاليةٍ، قاصرةٍ عن فهم ثقافة هذه المنطقة ودوافعها ونوازعها وفسيفسائها، والتي أثخنتها الحروب الخارجية وفاضت بها الصراعات البينية، وأعيتها تقاليد الاستبداد والقهر والفساد، وصارت كل حرب فيها تلد حرباً جديدة.
ترد إلى الذهن عدة أمثلة عما تزخر به سياسة إدارة بايدن القائمة على حسن النية والافتراضات الرخوة حيال أزمات الشرق الأوسط، لعل في مقدّمتها أزمة الملف النووي الإيراني، الذي تصدر أجندة الإدارة الحالية، وصار شغلها الشاغل على مدى الأشهر الثمانية الأولى من عمرها، هذه السياسة المبنية على الاسترضاء والملاينة، حيث بدأت المفاوضات غير المباشرة في فيينا، مثلاً، بإخراج الحوثيين في اليمن من قائمة الإرهاب على الفور، وتجميد صفقات أسلحة وذخائر بالمليارات مع السعودية، الأمر الذي فهمه هؤلاء القوم ضعفا، فشدّدوا من هجماتهم على مأرب وعلى أهم حليف عربي للولايات المتحدة.
وفي المحصلة غير النهائية، لم تحصل إدارة بايدن، من نهجها التجريبي هذا، سوى على مزيد من التطرّف الإيراني في اليمن والعراق ولبنان وسورية، فيما مضت طهران في تصعيد عمليات تخصيب اليورانيوم إلى أن بلغت العتبة النووية، ثم راحت ترفع الشروط والمطالبات، إلى الحد الذي بدت فيه إيران هي التي تُحاصر أميركا، وتفرض عليها العقوبات، فيما بدت الدولة العظمى الوحيدة، ويا للمفارقة الفارقة، هي التي تستعجل الخلاص ورفع الحظر النفطي والمالي عنها.
وبالعودة إلى الزلزال الأفغاني، الذي هزّ الولايات المتحدة هزّاً، وأظهر للعيان قلة حيلتها أمام مشهد ألوف المواطنين المحتشدين المذعورين في مطار كابول، الراغبين في اللحاق بمشغّليهم الغربيين، تعود بنا الذاكرة إلى مشهدٍ مماثلٍ من فيتنام وقع عام 1975، عندما فرّ السفير الأميركي من سايغون بالمروحية تحت النار، بفردة حذاء واحدة لشدة الاستعجال، من على سطح السفارة، في سابقةٍ هي الأولى من نوعها في تاريخ أميركا، ونعني تدوين أول هزيمة عسكرية تلحق بالعرق الأنغلوسكسوني.
ومع أن ما جرى في كابول لم يكن، كسابقه في سايغون، هزيمة عسكرية منكرة، وإنما مجرّد فشل سياسي كامل الأوصاف، إلا أن تداعياته لن تظل محصورة في النطاق الأفغاني القابل للاشتعال بسرعةٍ تحاكي سرعة اشتعال الهشيم، فقد أعطى هذا الفشل قوة دفع كبيرة للجماعات الجهادية في عموم المنطقة، نفخ فيها روحاً جديدة، وأمدّها بخطاب تحريضي متجدّد وعالي النبرة (يتحدّثون عن صحوة المارد السنّي)، بعد أن ذوى مثل هذا الخطاب، بعد هزيمة تنظمي القاعدة وداعش.
على أي حال، وعلى الرغم من أن الرئيس بايدن لم تتلطخ سمعته بغزو أفغانستان والعراق، ولم يقارف ما قارفه سلفه ترامب، ناهيك عن نيكسون في فيتنام، إلا أن هذا الفشل المدوي في كابول سوف يُسجّل باسمه في صفحته، وهو الذي أظهر ضعفاً وتردّداً وميلاً إلى استرضاء الخصوم والأعداء، واتبع دبلوماسيةً بلا أنياب، رمى خلالها أوراق القوة الهائلة خلف الباب، الأمر الذي أدّى إلى القبص عليه شبه عارٍ (بالمعنى المجازي) في تلك الليلة الأفغانية الليلاء.

45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي