لو نزرع قلب ماردونا في محمود عباس

27 نوفمبر 2020
الصورة

مارادونا إلى عباس في لقائهما في موسكو: أنا فلسطيني (من حساب مارادونا في أنستغرام)

+ الخط -

لم يكن دييغو أرماندو مارادونا لاعب كرة قدم خرافيًا في موهبته، وخارقًا في أدائه، فقط، بل كان عندي، وربما عند كثيرين من أبناء جيلي، مناضلًا حقيقيًا فوق العشب الأخضر، يجسّد أسطورة يمتزج فيها الكروي بالسياسي بالإنساني.

هو عندي المعادل الرياضي لأرنستو تشي جيفارا، المناضل السياسي الأممي، الذي هو نموذج المواطن العالمي، الذي يعتبر كل أرض مزروعة بالكفاح من أجل الاستقلال والعدل والحرية وطنًا له.

كان مارادونا ثورة في عالم كرة القدم، وخصوصًا بالنسبة لمن لم يعيشوا سوى اللمحات الأخيرة من تجربةٍ سابقه في قيادة الكون كرويًا، البرازيلي بيليه. مشاهدته يلامس الساحرة المستديرة لم تكن مجرّد متعة كروية، بل كان يمنحنا خلال تسعين دقيقة فقط فرصة سماع موسيقى الفلامنكو الغجرية، مع بعض موسيقى بوب مارلي ، ويفتح لنا صفحات كتب نضالات جيفارا، ويقرأ علينا بعض أشعار بابلو نيرودا وروايات ماركيز، فيكون السفر في رحلةٍ نحلم ألا تنتهي في عالم مفارق، هو مزيج من الرياضة والسياسة والفن .. هذا كله بلمسة قدم، أو لمسة يدٍ غير شرعية، لم يرصدها حكم عربي، استحقّت منا الإدانة، لكنها لم تجعلنا نكره مرتكبها.

بعيدًا عن المستطيل الأخضر، أضاف مارادونا إلى رصيده في قلوبنا مساحاتٍ أكبر وأجمل، وهو يضع الحطة الفلسطينية على كتفيه، ويعلنها صريحة مدوية: قلبي فلسطيني .. يقولها مغموسة في صدق مصفّى، لمحمود عباس وكأنه كان يحاول أن يعلمه كيف يكون فلسطينيًا بحق، أو كأنه يهمس في أذنه أن يكون حبّه لفلسطين مقدمًا على عشقه وإخلاصه للتنسيق الأمني مع عدو فلسطين، أو يسأله في دهشة: كيف تحمل الوفاء لوطنك والولاء للتطبيع مع عدوك في قلب واحد؟

قلبي فلسطيني .. يا لها من لمسة عبقرية من لمسات اللاعب الأعظم في التاريخ، ينطقها فتحرّك الأسى على عربٍ بدلوا قلوبهم بقلوب صهيونية، وصاروا لا يخجلون وهم يهتفون: قلبي إسرائيلي.

قلوب مثل تلك التي في صدور أشخاص مثل محمد بن زايد ومحمد بن سلمان وعبد الفتاح السيسي، وحتى محمود عباس، هي قلوب إسرائيلية، أكثر من كونها عربية .. قلوب مرهفة، عامرة بالولاء للعدو، لكنها كالحجارة أو أشد قسوة على الشقيق الفلسطيني.

يرحل مارادونا، وفي قلبه فلسطين، في لحظةٍ يبدو فيها النظام الرسمي العربي وكأنه خارج من عملية قلب مفتوح، تخلص فيها من أوردته وشرايينه الأصلية، وثبت مكانها مكونات صهيونية بديلة.

مات مارادونا وهو أصدق في إيمانه بقضية عروبة فلسطين من كثيرين يحملون ملامح العرب، ويتحدّثون بلسان العرب، ويرتدون أثواب العرب، ويسوقون شعوبهم بالحديد والنار، لكي يتجرّعوا سمّ التطبيع، ويتحوّلوا إلى عمالةٍ رخيصةٍ في مشروع تحقيق حلم "إسرائيل الكبرى".

مات المحب لفلسطين، العارف بقضيتها، المؤمن بحقوقها، مثله مثل شبيهه في النضال السياسي تشي جيفارا، الذي قطع المسافة من أقصى غرب الدنيا إلى الشرق، لكي يصافح غزة الفلسطينية، ويربت على كتفيها في زيارته التاريخية عام 1959، حيث عانق "الفدائيين"، وحيا نضالهم ضد المستعمر، وعرض عليهم المساعدة في  التدريب ونقل أسلحة المقاومة، ليصبح لهذه الزيارة الدور الأكبر في وضع قضية تحرير فلسطين في قلب سكان أميركا اللاتينية، ولكي يولد في العام التالي لهذه الزيارة صبي أرجنتيني، اسمه دييغو أرماندو مارادونا، يبهر البشرية بفنونه، وقبل أن يرحل تكون كلمته "قلبي فلسطين" وثيقة إدانة لنا جميعًا على تفريطنا في حقها.

وداعًا أيها الفلسطيني الأصيل .. ما أحوجنا لقلبك نزرعه في حكام عرب، قلوبهم غُلْفٌ.