لبنان: في وصف الحصار

لبنان: في وصف الحصار

18 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

تسمع، في يومياتك اللبنانية، عباراتٍ كثيرة فضفاضة، ومُبَالَغا فيها بشدّة. هذه عادتنا في لبنان، أن تُقال عباراتٌ أكبر من حجمها في وصف الأشياء والأشخاص والأحداث والأماكن. يُقال مثلاً عن شخصٍ ما "مثل القمر"، أي أنه إنسان جميل إلى درجة تشبيهه بالقمر. ربما قد يكون وصف عديد من البشر عفوياً وصادقاً، لكنه في لبنان لا يمكن فصله عن ارتباطه بالمبالغات. وحين يحاول بعضهم تسويق مطعم زاره في لبنان، يردّد عباراتٍ من نوع "تناولت أطيب طعام في حياتي". وينطبق هذا الأسلوب وهذه الذهنية على حالات التملّق والتصنّع والتزلّف، التي تُشكّل معاً ثلاثية النفاق الأزلي في البلاد، فلا تتعجّب حين تقرأ مقالات صحافية أو تسمع لإعلاميين يعبّرون عن خضوعهم لرجل سياسي، رافضين التصرّف أو التفكير بوحيٍ من دورهم المهني. ولا تتعجب أيضاً حين تسمع شخصياتٍ لبنانية تعمل في الوسط الفني، وهي توزّع تصاريح متملّقة على رؤساء أنظمة عربية أو سياسيين فيها، أو تقرع الأبواب المُعتبرة "مدرّة للأموال" بتغريدة على "تويتر" تمدح فيها متموّلا ما.

لا تقتصر هذه الذهنية العاشقة للمبالغات على هذه الزاوية، بل تطاول أيضاً من يعتبر أنه كَسَرَ حصاراً أميركياً بصهاريج نفطية، نقلت المازوت الإيراني من سورية إلى لبنان في الأسبوع الحالي. وسوّق السياسيون الموالون لهذه النظرية فكرة "كسر الحصار"، في ظلّ تكثيف الدعاية المرافقة لها، وتسويقها بالقوة أو باللين بين الجمهور. مع العلم أن محاربة أي حصار تبدأ من معرفة الطرف المُحًاصِر لمعرفة كيفية كسر الحصار. في الحالة اللبنانية، يُقال إن الحصار أميركي، وإن واشنطن تريد إخضاع بيروت. حسناً، في المبدأ الوطني المحض، ضمن الحقوق الإنسانية الأساسية، من حقّ كل فرد أو مجموعة مقاومة أي حالة طغيان أو ظلم أو احتلال أو جوْر. ولكن لا يُمكن اعتبار أن هناك حصاراً أميركياً على لبنان، في وقتٍ يستقبل فيه رئيس المجلس النيابي فيه، نبيه بري، كل فترة، السفيرة الأميركية في لبنان، بل يؤيد دوراً أميركياً فاعلاً في ترسيم الحدود مع الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين المحتلة. لا يُمكن القول إن هناك حصاراً، في وقتٍ لا ترغب فيه لبنانياً في قطع العلاقات مع الولايات المتحدة، وتصنيفها "دولة عدوّة" ترغب في كسر الطموحات اللبنانية. أي حصارٍ هذا، وأعداد اللبنانيين حاملي الجنسية الأميركية تجاوز نصف مليون مواطن، حتى أن نواباً لبنانيين يقترعون في انتخابات الرئاسة الأميركية، في السفارة الأميركية في لبنان، كل أربع سنوات.

أين الحصار في ملفّ إقفال مسربٍ للصرف الصحي في بيروت، وعجز الدولة عن محاسبة الفاعل، لأنه أقوى منها؟ ماذا عن نفق سليم سلام ونفق المطار والأوتوسترادات الساحلية، وهي الأماكن التي تتحوّل إلى مسابح مليئة بمياه الأمطار في الشتاء؟ هل طلب الأميركيون، أو غيرهم، من الوزراء المتعاقبين على كل الوزارات الدسمة مالياً، أن يسرقوها واستثمار صناعة الهدر والفساد فيها؟ حسناً، إذا كان ذلك صحيحاً، ونحن نعرفه مثلاً، لم نصرّ على اعتبار هؤلاء الأشخاص "زعامات مقدّسة" بل "يواجهون الأميركي"؟ أين الحصار الأميركي على لبنان، حين تُعيّن وزيراً للمالية، محسوبا على حركة أمل وحزب الله، وفي الوقت نفسه هو يد يُمنى لحاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، من أجل مواكبة "مرحلة الإصلاحات" و"التفاوض مع صندوق النقد الدولي"؟

صحيحٌ أن الناس في لبنان، كل الناس، وصلوا إلى مكانٍ يريدون أن يبقوا فيه على قيد الحياة، ومن حقهم التهليل لكل شاحنة أو صهريج النفط، لأنه يعني يوماً إضافياً على وجه الأرض. لا يُمكنك أن تنتزع من هؤلاء فرحتهم بحصولهم على مواد أساسية مع اقتراب فصل الشتاء، ولو كانت شحيحةً قياساً على أشهر طويلة. ليس من حقك انتقاد الناس، لكن من حقك الإشارة إلى أن "الحصار" ليس سوى حجّة لتبرير عدم قيام دولة لكل مواطنيها.