لبنان: المنعطف الأخير

لبنان: المنعطف الأخير

14 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

كثر في لبنان، تحديداً سياسيين وإعلاميين، يحبّون تصنّع الإحساس بالمفاجأة، على الرغم من أن الحدث الذي يكون فاجأهم كان متوقعاً. يوم الأربعاء الماضي، قرّر حاكم مصرف لبنان المركزي، رياض سلامة، رفع الدعم عن المحروقات. وهو قرارٌ كان متوقعاً في أي لحظة، بدءاً من شهر يونيو/ حزيران الماضي، إلا أن من عيّن سلامة في منصبه في التسعينات ومن جدّد له لاحقاً، وآخرها في 2017، ومن شاركه الهندسات المالية، خصوصاً في العقد الأخير، ومن استفاد من الفوائد العالية من المصرف أو من القروض الاستثمارية أو من قروض الإسكان وغيرها، تبرّأ من الحاكم ومن القرار، معلناً عن صدمته من قرار رفع الدعم. غير أنهم كانوا يعلمون أن رفع الدعم آتٍ، طالما أن لا حلّ في الأفق، وأن لا حكومة ستُشكّل، أقله حتى اليوم السبت، لكنهم يعتمدون على قدرة مناصريهم على إيجاد حالة من العداء والانقسام في البلاد، بما يسمح في تعزيز الصراعات الطائفية، ومنع حصول إجماعٍ عابرٍ للطوائف والمناطق.
لا يريد أحد عملياً تحمّل كلفة رفع الدعم، بل الجميع يسعى إلى التضحية بسلامة كبشاً وحيداً في المعركة، من دون الإجابة عن أسئلة عدة، مثل: أين ودائع الناس؟ من يستردّ الأموال المنهوبة؟ من يضمن عدم المساس بالاحتياطي الإلزامي (15 مليار دولار وهي آخر ما تبقى للناس في المصارف)؟ ومن يضمن عدم البدء بعملية تسييل احتياطي الذهب اللبناني (نحو 286 طنا)، البالغة قيمته نحو 17.4 مليار دولار بسعر السوق حالياً؟ ألم يكن الأجدى مداهمة مستودعات البنزين والمازوت والدواء والغذاء التي ينتظر أصحابها "ساعة صفر"، قبل ضخّها إلى السوق بأسعار صرف مرعبة؟ ألم يكن الأفضل لو تمّ توقيف التهريب إلى سورية ومحاربة المهرّبين المنتشرين على امتداد الحدود بين البلدين، الذين لا يبالون بحاجة الناس إلى دواء أو مازوت، ويعمدون إلى السيطرة على البضائع بالقوة من أجل تهريبها إلى الداخل السوري والحصول على دولارات؟ لا تريد مثل هذه السلطة والنظام المواجهة الفعلية مع أيٍّ من مسبّبات الأزمة وإفرازاتها، بل قرّرت تبرئة نفسها على حساب سلامة في سعيها إلى إعادة إنتاج نفسها، عشية انتخاباتٍ نيابيةٍ مقرّرة مبدئياً في الربيع المقبل.
وما ينطبق على الموضوع الاقتصادي ينطبق أيضاً على ملف انفجار مرفأ بيروت. لا أحد يريد الوثوق بتحقيق قضائي لمعرفة خلفيات انفجار نيترات الأمونيوم في العنبر رقم 12 في المرفأ في 4 أغسطس/ آب 2020. يعتبر كل من يتهم القاضي طارق بيطار بـ"تسييس الملف"، وفي مقدمتهم حزب الله، أن القاضي يتصرّف بطريقة موجّهة. وإذا كان هذا الافتراض صحيحاً، فإنه يمكن اتخاذ أي مسار قانوني قضائي بعد صدور القرار الظنّي، يناقض ما يكون قد توصّل إليه القاضي، وتنتهي القضية هنا. ثم إن القضاء بيد حزب الله وحلفائه وخصومه (مخطئ من يظنّ أن في لبنان حزباً يخاصم الآخر. انظروا فقط إلى انتخابات النقابات والنيابية في العقد الأخير، فتعلمون أن الخصوم هم حلفاء في الواقع)، سواء بالتعيينات أو بطريقة التدخّل، وهم يعلمون أن بيطار ليس مسيّساً، وإلا لكانوا أعلنوا أن "الحزب أو الشخص الفلاني يوجّه بيطار". وهو ما لم يحصل.
ما يجري في لبنان هو نهاية شيء وبداية شيء آخر. ستكون مرحلة انتقالية مكلفة ومعمّدة بالدماء والدموع. هذه ليست تكهّنات أو توقعات، بل مسار طبيعي، حدث مثله تاريخياً في عشرات الأمم، وكان ظاهراً أنه سيصل إلى لبنان، بسبب كل التراكمات السابقة. النهاية شبه معروفة. الجميع يكابر وهذا بديهي، لكنه المنعطف الأخير في السياق التاريخي في البلاد، وستليه محاولة لبناء حياة بعد "أبوكاليبس" تدميري يشهده اللبنانيون منذ أشهر وأسابيع طويلة. هنا، سيقف من بقوا على قيد الحياة لاستذكار من رحلوا، ويدركون أن أطول مرحلةٍ في تاريخ لبنان وأكثفها انتهت بلحظة.