في الحاجة إلى العرفاتية

في الحاجة إلى العرفاتية

24 يناير 2022
+ الخط -

رحم الله ياسر عرفات. زار حافظ الأسد في قصر المهاجرين في دمشق، بعد تلاوته، قبيل موعد الإفطار في عصريةٍ رمضانية، في مخيم اليرموك، الفاتحة على روح رفيقه خليل الوزير، الشهيد منذ يومين في تونس، ثم استقلّ طائرته إلى بغداد للقاء صدّام حسين. وكان الشقاق بين زعيمي البعثين، السوري والعراقي، على أشدّه. وكأن زعيم الفلسطينيين يقول لشعبه إنه لا "يتمحور" عند هذا إذا زاره ولا عند ذاك إذا زاره، وإن كانت الصلات مع صدّام أوثق، فيما التي مع الأسد هشّة. ومعلومٌ أن الأخير، على ذمّة عبد الحليم خدّام، كان يخصّ صدّام كُرها فادحا، ولا يطيق عرفات. والشاهد في تلك الواقعة أن في وُسعك أن تقول ما تشاء عن أبو عمار، إلا أنك لا تملك إلا أن تقرّ ببراعته في المشي بين حبال السياسة العربية، وقدرته على النجاة من أي ورطةٍ قد تعمل هذه العاصمة العربية أو تلك على رميه فيها. وليست منسيةً تلك الفعلة الجزائرية، عندما دسّوا في مؤتمر المجلس الوطني الفلسطيني في قصر الصنوبر مندوبا من "بوليساريو" ضيفا مدعوّا في افتتاح المؤتمر، فغضب المغرب كله، وانفعل سياسيوه وحزبيوه وأطلقوا كلاما ساخطا، وقال الحسن الثاني ما قال، غير أنها أسبوعان أو ثلاثة، حتى كان السمن الفلسطيني على العسل المغربي، وكان عرفات ضيفا كبيرا في قصر الملك، واثناهما يؤكّدان على "العلاقات التاريخية بين الشعبين". ولعل تلك المَلَكَة التي اتّصف بها الزعيم العتيد هي التي كانت تُنجي الفلسطينيين، ما أمكن، من مزاجيات أنظمةٍ عربيةٍ معلومة، ولعلها هي المَلَكَة التي جعلت بي نظير بوتو تقترح أبو عمار وسيطا في قضية كشمير. ويقال هذا هنا، مع التسليم بأن ما سلكته القيادة الفلسطينية في أزمة احتلال الكويت صيف العام 1990 كان كارثيا.
صور عبد الملك الحوثي وقاسم سليماني وحسن نصرالله في مسيرةٍ في غزّة أول من أمس هي ما انتشل من الذاكرة، عَرضا، الوقائع العرفاتية أعلاه، للعبور منها إلى أكثر من نقطة نظام يجدُر إشهارها قدّام من يحتاجون تعلّم ألف باء السياسة في الراهن الفلسطيني البائس. لو أن في حركتي الجهاد الإسلامي وحماس عقولا تعرف السياسة، وشيئا من فنونها، لما وجدنا أنفسنا أمس نقرأ تغريدةً للمتحدّث باسم جيش الاحتلال، أفيخاي أدرعي، عمّن يطلبون التعاطف معهم، فيما يرفعون صور "قاتل المسلمين والعرب في العراق وسورية (سليماني) والإرهابي الحوثي". ولما رأى الفلسطينيون أنفسَهم في مهب عواصف تغريدات وهاشتاغات وتدوينات، سأل أصحابها، الخليجيون والسوريون والعراقيون واليمنيون و...، عمّا أفاد به الحوثي وسليماني ونصر الله قضية فلسطين، وهم يصنعون الذي يصنعونه في اليمن وسورية والعراق ولبنان، عندما يؤلفون الزينبيين وعصائب الحق ومليشيات البيارق السوداء وما يشابه هذه التشكيلات، المحض مذهبية، المحض طائفية، والتي تلبّي مطلبا متوطّنا في أخيلة حاكمي الجمهورية الإسلامية، أن يهتزّ الحس العروبي والوطني الجامع في كل بلد عربي، أن تتسيّد النوازع التقسيمية والمذهبية، والتي ينجُم عن شيوعها، في المقابل، ما نعرف من تشكيلاتٍ إرهابيةٍ ترتدي اللبوس المسمّى إسلاميا جهاديا، وفي الغضون تُقذف إسرائيل بالملفوظات العنترية في "يوم القدس" وفي ميادين صنعاء المحتلة حوثيا.
لا يَغفل هذا الكلام عن 22 مليون دولار تسلّمها محمود الزهار من قاسم سليماني في مشوار إلى طهران، ولا عن مساعداتٍ عسكريةٍ وخبراتٍ تمدّها الجمهورية الإسلامية لمقاتلين مجاهدين مقاومين في غزّة، وسط حصار عربي وإقليمي ودولي معلن عليهم، وفيما اعتداءات الوحش الإسرائيلي لا تتوقف، وفيما حاجة المقاومة وفصائلها إلى أي سندٍ عسكريٍّ وسياسي ملحّة. هذا معلومٌ، ولا يجوز أن تُعطى "حماس" و"الجهاد الإسلامي" دروسا تُطالبهما بالانفضاض عن الظهير الإيراني، وظهراهما مكشوفان. إنما القول هو الأخذ بالسياسة، والموازنة بين المصالح وما أمكن من مبادئ، وقبل هذا كله وبعده، عدم مغادرة البعد العربي والأخلاقي في كل قولٍ وحركةٍ وتوجّه وخيار. ونظنّها أصابت "حماس" عندما اختارت النأي عن الحكم في دمشق والرحيل من عنده، في أتون المقتلة ضد الشعب السوري، وعندما لم تورّط نفسها في اصطفافات أو مواقف تحسبها على هذه الضفة أو تلك. ولكنها صارت تغزل وتغازل، وظلّ يعوزها إبداعٌ خاص، يبتكر خطابا يؤالف بين هذا المقتضى وذاك المقتضى. وهو الإبداع الناقص أيضا في أداء "الجهاد الإسلامي". باختصار، إنه غياب العرفاتية، يجعل محمود الزهار يرمي الفرِحين بقتل سليماني بالشذوذ، ويشيع غبطة أفيخاي أدرعي بصور عبد الملك الحوثي في غزّة.