في "انتصار" نظام الأسد

في "انتصار" نظام الأسد

13 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

ضمّ الوفد الإماراتي، برئاسة وزير الخارجية، عبدالله بن زايد، إلى دمشق، والذي استقبله، الثلاثاء الماضي، بشار الأسد، رئيس الهيئة الاتحادية للهوية والجنسية والجمارك وأمن المنافذ (برتبة وزير)، واسمه علي الشامسي، ما يبيح القول إن الزيارة تتجاوز مضمونَها السياسي الظاهر إلى ما يتعلق بما هو تنفيذي في شؤونٍ أخرى، تقع ضمن مسؤوليات هذا الرجل، بعد أن كانت العلاقات بين أبوظبي والنظام في دمشق قد قطعت أشواط إعادة فتح سفارة الإمارات في العام 2018، بعد إغلاقها ثماني سنوات، وتبادل زيارات وفود تتابعت، قبل اتصالين بين الأسد وولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، في الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول)، وفي مارس/ آذار 2020، وبعدهما. وهذا بيان الخارجية الإماراتية يفيد بأنه جرى في مباحثات دمشق "تطوير التعاون الثنائي في مختلف المجالات ذات الاهتمام المشترك، وتكثيف الجهود لاستكشاف آفاق جديدة لهذا التعاون، وخصوصا في القطاعات الحيوية من أجل تعزيز الشراكات الاستثمارية في هذه القطاعات". ويعدّ كلامٌ كهذا، وبوجود علي الشامسي في صحبة عبدالله بن زايد، إيذانا بطوْر متقدّمٍ في العلاقات، على غير صعيد، ما يصبّ حكما في دعمٍ قويٍّ يحرزه نظام الأسد، والذي كان إسقاطه، في طور سابق، من أهداف الإمارات، إلى حدّ ما، في مشاركاتٍ استخبارية وعسكرية محدودة، سرعان ما غادرتها أبوظبي، لمّا لمست أن بشار الأسد ماضٍ إلى كسب الحرب التي يشنها على الشعب السوري، وأن الولايات المتحدة غير معنيةٍ بإسقاطه، ولا تساند، في الجوهر، الثورة ضد استبداده وفساده.

لم تفتح السفارة الأردنية في دمشق بعد، ولا عاد سفير سوري إلى عمّان، غير أن القائم بأعماله، أيمن علوش، يؤدّي مهامه بمثابرةٍ ظاهرة، وعندما يحدّث الصحافة الأردنية إن قنوات الاتصال بين حكومة بلاده والحكومة الأردنية مفتوحة فهو لا يكذب، فوزراء ومسؤولون عديدون تبادلوا الزيارات. وإذ تلقّى الملك عبدالله الثاني اتصالا هاتفيا من الأسد، قبل أيام، فذلك من علائم ما سيجري لاحقا من اندفاعةٍ أقوى للعلاقات على غير مستوى، والتي تأكّد أن الولايات المتحدة لن تمتعض منها. وقبل ذلك وبعده، ثمّة عوائد اقتصادية يحتاجها الأردن من حركة النقل والشحن في المعبر الحدودي مع سورية، ومن المبادلات التجارية. وثمّة أيضا الحسابات الأمنية المقلقة التي ظلت على طاولة صانع القرار الأردني، فيما يتعلق بنشاط مجاميع جهادية في الجنوب السوري. وإذ ليس متوقعا أن ينعكس التحسّن المطرد في هذه العلاقات إيجابا باتجاه عودةٍ مأمونةٍ لآلاف اللاجئين السوريين من مخيماتهم في الأردن، ولا باتجاه إفراج سلطات النظام في دمشق عن معتقلين أردنيين من سجونه، فذلك يعود إلى عدم إلحاح عمّان على ربط القضيتين بمسار تحسن العلاقات، وإلى أن أمورا مثل هذه لم تكن يوما في وارد اكتراث نظام غاز السارين الحاكم في دمشق.

يُؤتى هنا على مسعى كلّ من الإمارات والأردن إلى استعادة العلاقات الكاملة مع نظام دمشق، لتمايز منظوري البلدين بشأن هذا النظام لمّا بدأ حملتَه العسكرية على الثورة وناسها، ولمّا اتجهت الحكومات العربية، تحت مظلة جامعة الدول العربية، إلى معاقبة النظام المذكور، بمقاطعته، عمّا أخذته الجزائر والعراق وعُمان ولبنان، من مواقف، تحفّظت ورفضت وامتنعت عن المشاركة في ذلك القرار العام 2011. وفي البال أن الملك عبدالله الثاني جهر، في تلك الغضون، بنصيحةٍ إلى بشار الأسد بأن يتنحّى، ولاحقا سُمع عبدالله بن زايد يمتدح عظمة الثورة السورية. وبذلك، يصير جائزا أن يقال إن زيارة الأخير دمشق وذلك التواصل الهاتفي مع الملك هما من عناوين انتصار بشار الأسد ونظامه في سورية، وليس انتصار سورية على ما قال أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، أول من أمس. لكنه انتصارٌ من شديد الضرورة القول إنه ما صار إلا بقوة نيران القتل والفتك وبغازات الخردل وغيره من محظورات وبالصواريخ والمقذوفات التي استهدفت سوريين عزّلا في بيوتهم وحقولهم ومساجدهم وكنائسهم، ما جعل نحو أربعة ملايين منهم يهربون لجوءا إلى الخارج (بينهم موالون بالمناسبة). .. لم يكن في وسع ثورةٍ طعنها الإرهاب الذي نبت في حوافّها، وتخلّى عنها الجميع، وواجهها الأسد بأن ما لا تحلّه القوة يحلّه مزيد من القوة، قوة القتل والفتك، لم يكن في وسعها غير أن تهزم نظاما عديم الإنسانية أخلاقيا، فكانت النتيجة انتصاره الذي سوّغ أن يُلتمس منه قبول عودة النظام العربي إليه، وأن يستقبل في قصر المهاجرين رئيس الهيئة الاتحادية للهوية والجنسية والجمارك وأمن المنافذ في الإمارات.