"فائض القوة" الإسرائيلية

"فائض القوة" الإسرائيلية

24 أكتوبر 2023

فلسطيني يجلس وسط دمار سببه القصف الإسرائيلي في رفح جنوب غزّة (23/10/2023/فرانس برس)

+ الخط -

أمران أساسيان يمكن مراقبتهما في المجتمع الإسرائيلي في خضمّ العدوان على قطاع غزّة. يكمن الأول في تأكيدات جيش الاحتلال ومسؤوليه العسكريين والسياسيين على قدرتهم على "محو حماس". يظهر الثاني في الترقّب غير المسبوق للإسرائيليين، خصوصاً في حال اتّساع الجبهات العسكرية في لبنان وسورية، أو احتمال وقوع توتّرات أمنية مع الأردن ومصر.

سعى الإسرائيليون، في الأمر الأول، إلى رفع شعاراتٍ تصبّ في خانة تمتين الصفوف الداخلية، من دون طرح رؤية واضحة لمرحلة "ما بعد إنهاء حكم حماس في غزة". وبطبيعة الأمور، سيؤجّل التركيز على العمل العسكري، سواء باستهداف المقاتلين أو بارتكاب جرائم حرب، أي نقاشٍ سياسي يُفترض أن يكون حاسماً و"نهائياً" طالما أن الكلمة للميدان. وفي هذه النقطة، يمكن تصوّر أن المناورات الإسرائيلية في السنوات الماضية، التي تشمل خوض حرب على كل الجبهات، من لبنان وسورية والعراق واليمن وصولاً إلى إيران، لم تلحظ مخطّطاً سياسياً محدّداً، بل تُرك كل شيء عرضة لإفرازات القتال. وفي هذا النوع من التجاهل استخفافٌ بشعبٍ ومصيره ومستقبله، ما سيؤثّر على مستقبل الشعب الإسرائيلي سلباً.

منطق "فائض القوة" الذي يعتنقه الاحتلال لطالما كان مقبرة لأوهام المؤمنين به. وحده كفيلٌ، في أي لحظة مستقبلية، في نشوء اضطرابات ستؤدّي إلى ضعضعة ثقة الإسرائيليين بمستقبلهم في هذه البقعة من الشرق الأوسط. دائماً ما كان "فائض القوة" وبالاً على المُصابين بجنون التفوّق. اختبره الأميركيون والروس ويختبرونه.

في الأمر الثاني، كشف العدوان الإسرائيلي أن الانخراط في عملية التطبيع مع الدول العربية لا يتعلق حصراً بإرادة حكّامها أو بأهداف اقتصادية، بل لا يزال العامل الإنساني شديد الأهمية في عالمنا. قد تنقلب الأمور في أي لحظة، بطريقةٍ لا يأبه بها أحد بورقة موقّعة باسم السلام. يتابع الإسرائيليون ذلك بحذر. يكفي أن سلطاتهم طلبت منهم مغادرة بلدانٍ عربيةٍ بسبب تداعيات العدوان. في العادة، إلا في حالات استثنائية، لا يتزحزح صاحب الحق من مكانه. يدرك الإسرائيليون في أعماقهم أنهم مخطئون، وأن هناك أخطاء متراكمة منذ أكثر من سبعة عقود بحقّ الفلسطينيين أولاً، ثم دول الجوار الفلسطيني ثانياً.

لا يمكن بأي طريقة فرض أمر واقع والافتراض أنه سيستمر إلى الأبد، ولو دام عقوداً. دائماً ما يحمل التاريخ متغيّرات مفاجئة، لكنها ليست كذلك لمن يفهم كيفية سير الأمور. في جنوب أفريقيا ورواندا وأنغولا وغيرها، لم يتبدّل واقعٌ قبل أن يعترف به أطرافه. لا يمكن للاحتلال الاعتقاد أن الوقت كفيلٌ بإنهاء القضية الفلسطينية برمّتها. صحيحٌ أن إسرائيل، على الورقة والقلم وفي "القوانين الدولية"، تستحوذ على مساحات شاسعة من فلسطين، غير أنه لا يمكن الاعتداد بهذا الواقع. لا احتلال يدوم، وهذه حقيقة تاريخية. وإذا لم يتدارك الإسرائيلي ذلك سيصل لاحقاً إلى مكانٍ لن يلبّي فيه أحدٌ من جنوده الاحتياطيين المنتشرين في العالم النداء "لأن وجود إسرائيل في خطر".

لاحقاً، سيُقال الكثير عن المجتمع الإسرائيلي. مرحلة ما بعد العدوان الجاري على قطاع غزّة لن تكون شبيهة بمراحل ما بعد الاعتداءات السابقة. ما طرحته مواجهة "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي أكبر بكثير من مجرّد عملية عسكرية ذات نتائج هائلة سياسياً، بل هو سؤالٌ واحدٌ على الإسرائيليين طرحه على أنفسهم: "ماذا بعد؟ لقد ارتكبنا المجازر والإعدامات والانتهاكات بحقّ المدنيين وعملنا على إخلاء سفاراتٍ لنا في الخارج واستدعينا ناسنا من دول يُفترض أنها صديقة خشية على حياتهم. أي دولة ستدوم في ظلّ عقدة ذنب داخلية وفي خطيئة ردّ الفعل الدموية؟". لن ينتهي العدوان على غزّة لدى الإسرائيليين بمساءلة قادة الحرب لتحميل المسؤولية لأحدهم، بل عليهم الاختيار بين الانصياع للعدالة من أجل الفلسطينيين أو توضيب الحقائب في أي لحظة مستقبلية.

6F7A33BD-9207-4660-8AF7-0EF5E3A4CD6C
بيار عقيقي
صحافي لبناني، عمل في صحف ومجلات ودوريات ومواقع لبنانية وعربية عدّة. من فريق عمل قسم السياسة في الصحيفة الورقية لـ"العربي الجديد".