عن توسّع المعركة وبقاء حماس

عن توسّع المعركة وبقاء حماس

05 نوفمبر 2023
+ الخط -

أظهرت الولايات المتحدة تعاطفا خاصّا مع إسرائيل بعد أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول وهجوم "حماس" غير المسبوق على منطقة غلاف غزّة، فقد سارع الناطقون باسم الهيئات الرسمية الأميركية إلى استنكار ما حدث بأقوى العبارات، كما بدا التعاطف في أول الأمر واضحا وقويا على جميع المستويات، فوقفت فرقٌ رياضيةُ دقيقة صمت على من قضى من الإسرائيليين إثر الهجوم، وجهزت وزارة الدفاع ترسانة أسلحة لتدعم بها موقف إسرائيل التي تقول إن لها كل الحقّ في الدفاع عن نفسها، ووصلت شدّة لهجتها إلى التصريح بنية محو "حماس" من غزّة، وهو أمرٌ يتطلّب دخول الجيوش الإسرائيلية بأعداد كبيرة إلى غزة، وبدأ المخطط بالفعل بقصف كثيف هشَّم الجزء الشمالي من غزة كله، ولكن الوضع الإنساني الخطير الذي نشأ، أضعف التعاطف الأميركي الشعبي وأربك السياسي، وارتفعت المطالبات بتهدئة جزئية ومحلية لإفساح المجال لدخول المساعدات الإنسانية وإخلاء الجنسيات الأجنبية، وإعطاء فرصة لتحرير من اختطفتهم حماس. لم ترقَ المطالبات الأميركية إلى مستوى وقف إطلاق النار واقتصرت على العمل لتأجيل الهجوم البرّي، وإفساح المجال ما بين الهجوم والذي يليه لبرهة ذات شكل إنساني، من دون تغيير اللهجة الهجومية على حماس.

الهدف الإسرائيلي يتلخص في استعادة الرهائن من قبضة "حماس"، ثم القضاء عليها، وقد عبر المسؤولون الإسرائيليون عن ذلك بوضوح مشوب بانفعال جلي، وتصوروا أن الأمر يمكن أن ينجز بهجمات صاروخية وجوية كثيفة تمهيدا لاختراق أرضي يحقّق المهمة، وعبرت الولايات المتحدة بدورها عن الرغبة بالتخلص من "حماس"، ولكنها بوصفها متعهّدا رسميا لهذه الحرب، ترغب في ضمان خروج آمن لكل أميركي في غزّة، والأهم من ذلك تحييد التدخلات الخارجية التي قد تصب في مصلحة حماس. لا تضمن أميركا أن تحقق كل ما ترغب به، وكانت قد مهّدت لتأكيد عدم التدخل بتصريحات حول اعتقادها بعدم ضلوع إيران، كما اقتصر الردذ الإسرائيلي على هجمات حزب الله بردٍّ محدود لتخفيف احتمالات التوسّع، ورغم الفعل الهادئ لحلفاء إيران، إلا أن الولايات المتحدة لا تبدو متأكّدة من عدم توسّع المواجهات.

رغم استنفار الأسطول السادس الأميركي بكامله، ونشره على الساحل المقابل لغزّة، وتزويد إسرائيل بنظام دفاع جوي يعزّز قدرة القبّة الحديدة الموجودة أصلا، وشحنات الأسلحة المتطوّرة والصواريخ الدقيقة وعشرات المستشارين العسكريين، وكذلك استعداد ألفي جندي أميركي للتوجه إلى إسرائيل، فذلك لا يشكّل ضمان ردع كافٍ يجعل المواجهات تقتصر على جبهة غزّة، وإيران موجودة وتستخدم لهجة عدائية، وتبدو روسيا مستعدّة للوقوف خلفها، وهي تراقب ما يحدُث، مع قيامها بنشاط دبلوماسي يكشف موقفها الحقيقي، ونيتها في اغتنام الفرصة لتحسين وضعها في أوكرانيا.

يتزامن وجود وزير الخارجية الأميركي بلينكن، المشارك بالفعل في الاجتماع الوزاري الإسرائيلي المصغّر الذي يدير الأزمة، مع خطاب الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله. ويريد بلينكن أن يكسب مزيدا من الوقت، وأظن أنه استمع جيدا إلى خطاب نصر الله، ومنه يمكن أن يستشفّ بعض النيات، حيث قال نصر الله إنه دخل الحرب بالفعل، بما قد يعني أنه لن يطوّر هجوما أكبر.

في ظلّ تردّد طرفٍ وغموض الطرف الآخر، يبدو أن لدى "حماس" فرصة لأن تبقى قوةً عسكرية موجودة في غزّة، وقد تكون نهاية هذا التوتر شبيهة بنهاية حرب تموز 2006، وقرار مجلس الأمن رقم 1701 الذي نصّ على إيجاد منطقة عازلة ما بين الحدود الشمالية لإسرائيل ونهر الليطاني، خالية من عناصر المليشيا المسلحة، ويوجد فيها عناصر الجيش اللبناني وقوات دولية. ولكن المشكلة هنا أن أوسع منطقة في غزّة لا يتجاوز عرضها 12 كيلومترا، بينما المسافة ما بين الليطاني والحدود حوالي 30 كيلومترا، لذلك قد يكون البديل عن عملية غزوٍ شاملةٍ البحث عن منطقة عازلة مناسبة.