عماد أبو صالح يعيد الاحترام للعزلة

29 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

الآن، عماد أبو صالح في مكانه، حيث حصوله على جائزة سركون بولس، ذلك المكان الذي حفره بأظافره منذ أكثر من ثلاثين سنة، لا هو على حِجر لجان ساويرس، حيث مسامرات الليل في المقاهي تحجز لك مقعدا في "كم ألف تفك بهم زنقتك"، ولا هو في حِجر أي نظام.

عماد هو نفسه منذ رأيته في 1989، غير مزاحم على شيء، سوى أن يكون نفسه فقط، وعلى استحياء شديد. عماد أبو صالح ضد الشعرية الرائجة، وضد الكسب الرائج، وضد المصلحة الرائجة، فقط يريد أن يمشي من مكان إلى مكان ومن كتاب إلى كتاب. لم يحلب من الشعر شيئا، لا دكتوراه ولا منحة للخارج ولا وظيفة، فقط نال ندمه.

لم يزاحم أي أحدٍ على شيء، سوى أن يكون نفسه. هل هناك جريمة يقترفها الواحد، حينما يريد أن يكون نفسه خارج القطيع، قطيع الشعر، وقطيع السلطة، وقطيع الطلب، وقطيع اللهاث المحموم وراء مغانم السفر، وقطيع ترويج الذات في المحافل. فقط يطبع الرجل كتبه ويوزعها على البسطاء، ثم يعود إلى بيته من دون أن يسأل أي أحد عن شيء، وكأن الرجل قال ندمه وكفى، قال جرحه وكفى، قال مُصابه في العالم وكفى.

ابنٌ بارٌّ لذلك الفصيل المستغني عن العالم والشهرة وبهرجاتها وموضاتها الصاخبة، يأوي إلى ركنه، مكتفيا بذاته، على شاكلة كفافيس، أو ألبير قصيري.

ممسوسٌ بدهشة الكتب والرموز من دون أن يلعق الشهرة من "حليب الرمز"، ومن دون أي مخادعة. شخصٌ متبتّل مع ألمه، ومصدّقٌ ما يقوله بيقينٍ صامتٍ بلا جدل، يقين أصحاب الوحدة، حتى خرج إلى ما بعد الخمسين من الحفل من دون أي شيء يشترك به في الحفل مع الآخرين، سوى ما قاله على استحياء شديد في كتبه التي لم تخرج لا من مطابع النخبة، ولا من مطابع الدولة، ولا من مطابع أحمس وعجلاته الحربية، لأن عماد غير معنيٍّ تماما لا بالحرب ولا حتى السلم، ولا حتى الثورة، لأنه كان نائما حينما حدثت، كما يؤكّد. ولا حتى مهتم بأحمس، ولا أناشيده ولا عجلاته الحربية التي تغنّى بها، وفي ركبها، أحمد عبد المعطي حجازي خمسين سنة. ولا مهتم أيضا بدماء الحلاج، كما فعل صلاح عبد الصبور. فقط عماد يهتم بخطوات عماد القليلة إلى المقهى، أو إلى عمله المتواضع في جريدةٍ لا يقرأها أحد نظير قروش تقيم أوده. عمل ما، في هامش الصحافة، لا تجعله يركب الطائرة إلى الإمارات مثلا، وراء ظهر أحمس، أو أنيس منصور، أو جابر عصفور، حيث لجانه المليئة بحملة الدكتوراه للتحكيم في جوائز الدول كافة من المحيط إلى الخليج.

فقط عماد ينتمي إلى عماد وإلى أشباه عماد. حالة بالطبع محيّرة، وخصوصا حينما تكون مصرية، وليس من بقايا أولاد الذوات في مدن الأربعينيات والثلاثينيات المصرية، بل فلاح من قرية في المنصورة، نال قسط العذاب من السلطة من دون أن يرتكب جريرة، سوى الشعر والاستغناء وعدم اندراجه في طبل القطيع. وعلى الرغم من ذلك لم تتركه النخب المؤجّرة في حاله أبدا.

هل أهداه سركون بولص تلك الوردة بعد الخمسين من قبره في شكل جائزة، كي يخفف عن ذلك القروي البسيط الذي أحبّ أن يكون نفسه، فاستطاع، ولكن ذلك أغاظ النخبة؟ هل انتصار عماد أخيرا، بعد الخمسين، هو انتصار المصادفة، وهزيمة النخب حينما تعمل طوال أعمارها فجرا، أو ظهيرة مع سلطاتها كبطانة ناعمة في أشكال مختلفة من الولاءات؟

هل فطنت النخب الآن أن الولاءات للسلطات أو الغرب يكلف الناس الكثير؟؟ وفي النهاية، يظل (ذلك التحقق المزعوم) مجروحا في المقتل، سواء تم التحقق على كبد السلطات وزهورها ومراكبها وعجلاتها الحربية وأغانيها القومية ومدائحها، كما في حالة حجازي، أو تم التحقق على أيدي "كل من يدفع للزمار" في العالم كافة من شرقه إلى غربه. المهم مبروك لعماد أبو صالح الذي لم ينتظر شيئا، فجاءته وردة جميلة من سركون بولص وهو في قبره، وقد يسأل سركون نفسه كعادته الجميلة: من هذا القروي الذي هناك ينبح كي يقتل الوقت، وأعطيتموه الجائزة؟ وقد يضحك سركون ويطلب كأسا على حساب عماد، فرحا به.