عقيدة الجزائر الأمنية في سياق إقليمي مضطرب

عقيدة الجزائر الأمنية في سياق إقليمي مضطرب

23 ديسمبر 2020
الصورة

شرطيان جزائريان في وسط العاصمة (7/3/2011/ فرانس برس)

+ الخط -

يستدعي عدم الاستقرار الناجم عن التهديدات الأمنية والعسكرية في شمال إفريقيا، خصوصًا بعد عام 2011، تعديلًا على المسار الأمني الذي كانت تسير وفقه الجزائر. الهجرة غير الشرعية، وانتشار الإرهاب والجماعات المسلحة، ووجود عصابات الجريمة المنظّمة، والاتجار بالبشر؛ عوامل رفعت مستوى القلق الأمني في الجزائر، الأمر الذي تطلّب تعديلاً للنظام الأمني التقليدي. وكان لا بد لهذه التعديلات أن تتناسب مع واقع البلاد الأمني والعسكري، بالإضافة إلى مصالح أمنها الإقليمي، وتتناسب أيضًا مع حجم الضغوط التي تمارسها القوى التقليدية عليها. 

السياسة العامة الخارجية الجزائرية

تهيمن المبادئ المعيارية الموروثة على محدّدات توجه السياسة الخارجية الجزائرية منذ السنوات الأولى لحرب الاستقلال الوطني، وهي ذاتها المبادئ التي عزّزت بناء شرعية نظام الحكم. وبقيت المصلحة الجزائرية هي العليا من حيث المحافظة على استقرار الداخل، واحترام سيادة النظام والأمن الداخلي للبلاد، وإبقاء مسافة للتعامل مع المسائل الخارجية، كحروب إقليم الساحل ومسألة الصحراء الغربية وحرب ليبيا وغيرها. 

عقب الاستقلال، اتبعت الجزائر سياسة متشدّدة مناهضة للإمبريالية العالمية، تتمثل في تضامنها مع العالم الثالث في عهد الرئيسين، أحمد بن بلة وهواري بومدين، ليظهر هذا في موقف الجزائر من القضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي. وجاء الميثاق الوطني لعام 1976 ليحدّد الأساس المنطقي لمثل هذه السياسة الخارجية، والتي اعتمدت عليها القيادة الجزائرية في مجموعة الـ 77 وحركة عدم الانحياز، كما نسّقت الحكومة جهودها في خطوة لإنشاء نظام اقتصادي دولي جديد في العلاقات بين الشمال والجنوب. 

خلال الثمانينيات، حوّل الرئيس الشاذلي بن جديد، الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني الجزائرية، تركيز السياسة الجزائرية تدريجياً من قيادة العالم الثالث إلى سياسة إقليمية تركّز على المنطقة المغاربية، أي المجال الإقليمي المحيط بالجزائر، بغية العمل على تأسيس اتحاد المغرب العربي. وانتهج نهجًا داخليًا ركّز على الشأن الإقليمي الجزائري، واتجه نحو إعادة هيكلة المسار السياسي والاقتصادي للبلاد، إلا أن الأمر قادهم إلى مشكلات اقتصادية وسياسية. 

أدّت الأزمات الداخلية الحادّة في التسعينيات، والمرتبطة، في أساسها، بغياب التعدّدية والاستئثار بمقاليد الحكم، إلى مزيد من التراجع في السياسة الخارجية الجزائرية. وعلى الرغم من دوره في السنوات الثورية (العشرية السوداء)، أعاد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، السياسة الخارجية للدولة، وأدارها نحو براغماتية المصلحة الوطنية، خصوصًا وأن بلدًا مثل الجزائر له حدود مع دولٍ عدة، وتحكمها معها مصالح أمنية وعسكرية وسياسية واقتصادية، وبالتالي يجب أن تكون حذرةً في تعاملاتها على كل الأصعدة. 

واجهت السياسة الخارجية الجزائرية مشكلاتٍ أثرت على استراتيجياتها الأمنية الخارجية والداخلية، وكانت قضية "انتفاضة الطوارق" في الأزواد في مالي وأكادير النيجر من التحدّيات الأمنية والسياسية الإضافية التي لها تداعيات داخلية وخارجية، بالإضافة إلى مضاعفاتها الأخرى التي زادت من الضغط على السياسة الخارجية الجزائرية، في ظل تزايد التدخل الدولي في المنطقة، تحت حجّة محاربة القاعدة والتنظيمات الإرهابية الموالية لها، ومحاربة الجريمة المنظمة.

ما يهم بالنسبة للنظام الأمني في الجزائر رفض الخيار العسكري في تسوية النزاعات، والوصول إلى حلولٍ سلمية من شأنها ضمان الأمن غير المنقوص للدول المحيطة بالجزائر

حدّت هذه المشكلات من قدرة الجزائر على التكيف مع السياق الإقليمي الفرعي الجديد الذي يتسم بتفكك الدول المجاورة، مثل ليبيا ومالي، ففي ليبيا تعيش البلاد وسط فراغ أمني هائل، ناجم عن غياب سلطة مركزية ونظام دفاعي وأمني منهار تمامًا. أما في مالي، فعلى الرغم من اتفاق السلام الموقع عام 2015، والمصمّم لإنهاء الأزمة العسكرية والسياسية، إلا أن الحدود الشمالية مع الجزائر لا تزال تواجه مستوياتٍ عالية من العنف وانعدام الأمن. تترتب على هذا الوضع الأمني المتدهور في المنطقة تحدّيات ومعضلات جديدة، دفعت الجزائر إلى إعادة النظر في الأسس المعيارية التي وجهت سياستها الخارجية وتركيبتها الأمنية منذ الاستقلال، وفي مقدمتها مبادئ عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، واحترام سيادة الدولة، ودعم الحركات الثورية المناهضة للاستعمار. 

مركّب العقيدة الأمنية 

مرّت العقيدة الأمنية الجزائرية بتقلباتٍ كثيرة بحكم السياق الإقليمي المضطرب، سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا. فعليًا، أخيرًا، سمحت التعديلات الدستورية بنشر القوات العسكرية الجزائرية خارج حدود البلاد، تحت مظلّة قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، أو قوات المنظمات الإقليمية، وأبرزها قوات الاتحاد الإفريقي أو قوات جامعة الدول العربية، على أن يكون نشر القوات مشروطًا بمصادقة البرلمان. تأتي هذه التعديلات في إطار عمليات التغيير الديمقراطية التي تجري نحوها البلاد، خصوصًا وأن انتقال السلطة يوحي بإدخال آليات جديدة للرقابة المدنية على القوات المسلحة الجزائرية، إذ تحترم الدولة الجزائرية قرارات الشرعية الدولية ومبادئ السيادة وعدم المساس بسيادة الدول الإقليمية، مع مساندة حركات التحرّر في المنطقة. تقوم العقيدة الأمنية الجزائرية على أسس الشرعية الدولية، بحيث تضمن الجزائر أن أي تحرّك يجب أن يكون خاضعًا لقرار أممي يسمح لها بالتحرّك عسكريًا أو أمنيًا أو استخباراتيًا، بالإضافة إلى مبدأ الجهوزية للمشاركة في ضبط عمليات التسلح في القارة الإفريقية بما يتناسب مع الآليات والأعراف الدولية. 

رفضت الجزائر عرضًا قدّمه السيسي، منتصف العام الحالي (2020) للتنسيق الأمني في ليبيا، لتحذّر بدورها من تحويل ليبيا إلى صومال أخرى

ما يهم بالنسبة للنظام الأمني في الجزائر هو رفض الخيار العسكري في تسوية النزاعات، والوصول إلى حلولٍ سلمية من شأنها ضمان الأمن غير المنقوص للدول المحيطة بالجزائر، وسواها. تستمد هذه المبادئ قوتها من الثقل الجيوسياسي والجيوستراتيجي الذي تتمتع به الجزائر، بحكم الأصول الجغرافية والعسكرية والبشرية والدبلوماسية التي تتمتع بها الجزائر، الأمر الذي جعل قرارها محوريًا في القضايا الأمنية الإقليمية. 

وقد رفضت الجزائر عرضًا قدمه الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، منتصف العام الحالي (2020) للتنسيق الأمني في ليبيا، لتحذّر بدورها من تحويل ليبيا إلى صومال أخرى. رفض الجزائر في هذه الحال هو احترام لقرارات الشرعية الدولية، وابتعاد عن القرارات المنفردة؛ وخطوة على طريق الوصول إلى حل سياسي، كانت قد قدّمته الجزائر سابقًا للتوصل إلى انتخاب مؤسسات جديدة ووضع دستور في ليبيا. 

تعديلات العقيدة الأمنية

مع ازدياد التوتر الإقليمي، في ليبيا ومالي والصحراء الغربية، دخلت المؤسسة الأمنية الجزائرية حالة من الصراع بين التصوّر المطلق لمبدأ عدم التدخل في شؤون الدول المجاورة؛ والمبادئ الأخلاقية من جهة؛ وتصوّرها لمصالح أمنها القومي والمصالح السياسية والعسكرية من جهة أخرى. غذى تغيّر نمط التهديدات، من تهديد دولاتي إلى تهديد مجموعات وعصابات منتشرة على حدود الجزائر، رغبة الجزائر في تغيير تصورات التعامل مع هذه التهديدات المزدوجة؛ سيما بعد تصاعد أعمال العنف، وخطر المجموعات المسلحة في ليبيا ومالي. 

دفعت الحرب الأهلية في مالي، ولاحقًا الحرب في ليبيا، الجزائر إلى القيام بتعديلاتٍ أمنية خفيفة، تندرج ضمن خطتها الأمنية لضمان سلامة حدودها من الاختراقات. أبرز ما قامت به الجزائر، في هذا الخصوص، هو السماح للطائرات الفرنسية بعبور أجوائها للمشاركة في ضرب الجماعات المسلحة في شمال مالي، بدون شروط، بحسب ما قاله وزير الخارجية الفرنسية حينها، لوران فابيوس.. وكان ذلك التعديل ظرفيا وإجرائيا عاجلا، وجاء كرد فعل على تهديد أمني محتمل على جنوب البلاد. ولا يتعارض رد الفعل هذا مع سياسة الجزائر الأمنية، بحساب أن الجيش الجزائري لا يزال في ثكناته ولم يتدخل في مالي؛ إلا أن هذا التصرّف يعد أقرب إلى وصفه قطيعة في نسق العقيدة الأمنية الجزائرية وتصوراتها التقليدية للنزاعات. 

تسبّبت الحرب في ليبيا بوضع الجزائر في مأزق أمني استخباراتي، ناجم عن تعارض بين عدم رغبتها في التدخل في الصراعات المجاورة ورغبتها في الحفاظ على أمنها ومصالحها

وقد تسبّبت الحرب في ليبيا بوضع الجزائر في مأزق أمني استخباراتي، ناجم عن تعارضٍ بين عدم رغبتها في التدخل في الصراعات المجاورة ورغبتها في الحفاظ على أمنها ومصالحها، خصوصًا وأن دولا أفريقية وأوروبية عديدة، على وجه الخصوص، نشرت قواتها في ليبيا، وتدخلت بعنف في حرب الدولة الجارة. أمنيًا، ترى الجزائر أن من اللازم التعاون مع القوى الفاعلة في ليبيا. وبالتالي، من مصلحتها القيام بعمليات تنسيق أمني واستخباراتي في خطوة لمنع تدفق الجماعات المسلحة والتهديديات الأمنية عبر حدودها. يمكن للجزائر أن تتدخّل بشكل طفيف في ليبيا، وتتذرع في هذه الحالة بالفراغ السياسي الدولتي الحاصل بعد إطاحة معمر القذافي. انتقال ليبيا من يد دولة ذات مؤسسات إلى يد جماعات مسلحة تتبع أجندة الدول الممولة له، دفع الجزائر إلى مراجعة استراتيجياتها الأمنية التي بَنت على أساسها تصوّراتها للتفاعل الأمني والعسكري للتفاعلات الإقليمية. وعليه، أصبح مبدأ "عدم التدخل" غيرَ مطلق، بسبب مقتضيات أمنية، في مقدّمتها تصلب عود الجماعات المسلحة، ما يعوق التمسك بمبدأ السيادة وعدم التدخل. وسياسيًا، يمكن وصف العقيدة الأمنية الجزائرية أنها مؤسساتية محافِظة، وليست تغييرية. أي أن الجزائر لا ترحب باللجوء إلى القوة لتسوية النزاعات، وتدعم بذلك جهود الدول الإقليمية للنهوض بمهامها الأمنية، من دون الاعتماد على تحالفاتٍ خارجيةٍ تقوّض من صلاحياتها العسكرية في المستقبل. 

القدرة الأمنية والعسكرية 

تطلبت الأزمات المحيطة بالبلاد من الجزائر أن تطوّر نظام أمن واستخبارات عالي القدرات. وبالضرورة، سيكون فهم الجزائريين طبيعة الإقليم عاليا؛ الأمر الذي وضع القدرة الأمنية على المحك في التعامل مع القضايا المحيطة. هذا الحمل الأمني جعل الجزائر عنصرًا مشاركًا أساسيًا في وضع الحلول السياسية والأمنية والاستخباراتية في شمال أفريقيا؛ وإن لم يكن بقيادتها، فعلى الأقل بمشاركة قواتها. تمتلك الجزائر أقوى بنية عسكرية برية وجوية وبحرية في الإقليم بما يقارب مليون عنصر، وبمرتبة 14 على مستوى العالم؛ ويمتلك خبرة قتالية عالية بحكم مشاركاته في حروب عديدة أبرزها حرب عام 1976 وحرب 1973 ضد إسرائيل، وحرب العشرية السوداء التي أكسبته خبرة عالية في كل أنواع القتال. 

تطلبت الأزمات المحيطة بالبلاد من الجزائر أن تطوّر نظام أمن واستخبارات عالي القدرات

تمتلك الجزائر عقيدة عسكرية قائمة على شقين؛ الأول دفاعي، والآخر قتالي. وهنا يجب التمييز بين الدفاعي والقتالي، بحساب أن قرار العقيدة الدفاعية للجيش هو شأن السياسيين الذين يقرّرون وضع البلاد والتعاملات الخارجية مع دول الجوار، وطبيعة المخاطر المحتملة ووسائل الدفاع المصممة لهذا الخصوص. أما العقيدة القتالية، فإنها منذ 1967 قائمة على طبيعة الجيش الجزائري وانخراطه في حروبٍ تعبر عن عدم ابتعاد الجيش عن الواقع الذي تمر به الدول العربية، إلا أن الواقع الذي فرضته مرحلة ما بعد العشرية السوداء قاد النظام الجزائري إلى إعادة النظر في هذه العقيدة والانكماش على الداخل، مع إعاقة أي خطر أمني أو عسكري من الدخول إلى البلاد. 

مرّت العقيدة الأمنية الجزائرية بتقلبات كثيرة بحكم السياق الإقليمي المضطرب، سياسياً وأمنياً وعسكرياً

على عكس العقيدة العسكرية والاستخباراتية الهجينة للدول العربية، ذات القدرات الأمنية المحدودة، والقائمة على دمج القدرات الأمنية والعسكرية المحلية مع تحالفات خارجية، تتبنّى الجزائر عقلية عسكرية مبدأها الاعتماد الذاتي، نظرًا إلى أنها تتمتع بقوة عسكرية لا يستهان بها في شمال إفريقيا. نشر معهد استوكهولم عام 2019 تقريرًا خلص إلى أن الجزائر حققت عامي 2018 و2019 أكبر إنفاق عسكري في إفريقيا بواقع تسعة مليارات إلى عشرة مليارات دولار؛ بعد أن كانت قد وقعت اتفاقية تسليح مع روسيا عام 2018 لتطوير مائتي مدفع من طراز "زي إس أو 23" أو المعروف عملياتيًا بمدافع "شيلكا"، القادرة على ضرب أهداف برية وبحرية وجوية. 

وكانت هذه القدرة العسكرية الهائلة محط أطماع قوى عربية ودولية، وأفرزت ضغوطا على القيادة الجزائرية، لزجّها في أتون حروب البلاد المجاورة. ففي عام 2017، تجدّدت الضغوط الفرنسية والأميركية على الجزائر من أجل التدخل عسكريًا في منطقة الساحل الإفريقي لدحر الجماعات الإرهابية في كل من مالي والنيجر، إلا أن الحكومة الجزائرية لم تعد هذه الخطوة مجدية في التعامل مع الصراعات المجاورة. إلا أن الحكومة الفرنسية لا تزال تتطلع نحو مشاركة جزائرية في القوة الإفريقية الخاصة بمكافحة الإرهاب في الساحل، والمؤلفة من مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو، وموريتانيا، وتشاد.

تعديل الدستور .. والمسار الأمني الجديد

يضمن الدستور الجزائري أمن البلاد الإقليمي، بريًا وبحريًا وجويًا، ويضمن الموافقة على قراراتٍ من شأنها حماية حدود البلاد وتسوية النزاعات الأمنية الداخلية والخارجية بالطرق السلمية. وفي واقع الأمر، لا يشتمل الدستور الجزائري على أية مادة دستورية أو قانونية صريحة ملزمة، تحول دون مشاركة الجيش الجزائري في حروبٍ خارج حدود البلاد. وضمن عدم وجود أية مادة من هذا القبيل عدم خروج الجزائر من معاهدة الدفاع العربي المشترك، والتي تنصّ، في حال إعادة تفعيلها، على إرسال الجزائر قوات عسكرية إلى أي بلد عربي يتعرّض للتهديد. بالإضافة إلى ذلك، أبقت الجزائر على معاهدة "الإخاء والوفاق" التي جرى توقيعها مع تونس في ثمانينيات القرن الماضي، وتضمن مساعدة تونس، في حال حصول أي تهديد لأمنها الداخلي. 

يضمن الدستور الجزائري الموافقة على قراراتٍ من شأنها حماية حدود البلاد وتسوية النزاعات الأمنية الداخلية والخارجية بالطرق السلمية

إلا أنه بسبب الضغوط التي تمارسها القوى العاملة في الدول المجاورة، كان لا بد من تعديل مواد تتعلق بالتدخل العسكري في الإقليم. يرى الباحث عبد النور بن عنتر أن التعديلات الدستورية في أكتوبر/ تشرين الأول 2020 وضعت مسألة التدخل الخارجي رهن موافقة البرلمان. وتتجه الجزائر نحو تدعيم آليات دفاعية جديدة قائمة على تفادي ضغط القوى الغربية للتدخل في النزاعات المجاورة، من خلال وضع موافقة البرلمان شرطًا أساسيًا للتدخل من عدمه. وتبقي الجزائر على البدائل السياسية والدبلوماسية لحل النزاعات في الدول المجاورة، لكن ما يقلق هو الضغط المستمر على الجسم السياسي والدولتي الجزائري للتدخل عسكريًا في النزاعات الإقليمية، والذي واجهته بوضع البرلمان في خط أمامي مقابل للضغوط الدولية بالتحرّك العسكري، سواء بالعمليات أو التخطيط. وقد سهلت هذه التعديلات وضع البنية السياسية الجزائرية في وضع الراحة لمراجعة الخيارات الاستراتيجية التي تضمن إبعاد الجزائر عن أتون حرب ونزاعات مع الدول الجيران، وتضمن أيضا قوة الحجة التي تعتمد عليها الجزائر بخصوص الدول المجاورة، والقائمة على الحل السلمي. وفي أسوأ الحالات، يسمح الدستور في هذه الحالة للجيش الجزائري بالمشاركة في عمليات حفظ السلام تحت مظلة دولية، أو مشاركة إقليمية باتفاق جامعة الدول العربية أو الاتحاد الإفريقي، تقدم من خلاله الجزائر دعمًا لوجستيًا واستخباراتيًا، وليس تدخلًا عسكريًا بتصوّره التقليدي.