عارف العارف في يومياته الأردنية .. موظف مُعار في النهار ومُعارض سرّي ليلاً

28 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

تروي "يوميات عارف العارف في إمارة شرق الأردن 1926/1929" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، الأحداث والوقائع التي مرّ بها كاتبها في أثناء شغله منصب السكرتير العام لحكومة شرق الأردن، أو لمجلس النظّار الذي كان العارف عضوا مؤثّرا فيه، بل وترأسّه أحيانًا في غياب رئيسه الأصيل، حسن خالد أبو الهدى. وقد بثّ عارف العارف، من خلال مروياته ويومياته، ملاحظاته وآرائه السياسية، بحيث لم تخلُ واحدةٌ من تلك اليوميات من تعليقاته وأحكامه.

وكان عارف العارف قائممقام مدينة يافا، حين اتصل به المستر ميلز سكرتير عام حكومة الانتداب في فلسطين، طالبًا إليه القدوم إلى دار الحكومة في القدس. وفي اليوم التالي، أي 20 مايو/ أيار 1926، أبلغه المستر ميلز رغبة الحكومة في انتدابه للعمل مع حكومة شرق الأردن بوظيفة سكرتير عام مجلس النظار. واعتبارًا من أواسط يوليو/ تموز 1926، أمضى عارف العارف قرابة الثلاث سنوات في هذه الوظيفة، قبل أن يغادر الأردن، ووظيفته المذكورة، في مارس/ آذار 1929، بناءً على طلب المعتمد البريطاني في عمّان، الكولونيل هنري كوكس، بعد أن نما إليه، وللأمير عبد الله، أنه يؤازر القوى الأردنية المعارضة، سيما اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني الأردني الأول الذي كان قد انعقد في مطلع يوليو/ تموز 1928.

وتنطوي يوميات العارف على مفارقة صارخة، تتمثل في قبوله بإعارته، باعتباره موظفا في حكومة فلسطين الانتدابية، إلى شرق الأردن لشغل منصب إداري هام، ولمساعدة البريطانيين والأمير عبد الله على تحسين إدارة شرق الأردن، أو "إصلاحها"، في ظروفٍ أبرز ما يميّزها إخراج جماعة حزب الاستقلال من شرق الأردن، وإبعادهم كليًا عنها، بعد أن تم إبعادهم قبل ذلك عن مواقعهم القيادية العسكرية والمدنية، وثم بسط هيمنة البريطانيين على القوات العسكرية والشرطة والوظائف المدنية الهامة في حكومة شرق الأردن، اعتبارًا من 24 مايو/ أيار 1926. وفي واقع الأمر، كانت إعارة حكومة فلسطين الانتدابية العارف، وعددا آخر من الموظفين المدنيين الفلسطينيين، خطوة تكميلية لإحكام تلك الهيمنة البريطانية على إدارة شرق الأردن، ولملء الفراغ الذي شغر بخروج الاستقلاليين من الأردن. وهكذا، وجد عارف العارف نفسه مجبرًا على تنفيذ سياسات وإجراءات تناقض قناعاته الشخصية، ومبادئه الوطنية والقومية. وفي الوقت نفسه، سعى إلى تعضيد المعارضة الأردنية الناشئة، ممثلةً في حزب الشعب الأردني الذي كان قد تأسس في فبراير/ شباط من عام 1927، والذي كان له الدور الأكبر في عقد المؤتمر الوطني الأول، وفي بلورة ميثاقه وبرنامجه السياسي.

العارف يقبل إعارته، باعتباره موظفا في حكومة فلسطين الانتدابية، إلى شرق الأردن لشغل منصب إداري هام، ولمساعدة البريطانيين والأمير عبد الله على تحسين إدارة شرق الأردن، أو "إصلاحها"

وتُذكّر "يوميات عارف العارف في إمارة شرق الأردن" بكتاب خير الدين الزركلي "عامان في عمّان" الذي سجل فيه مؤلفه ما شهده وخبره إبّان إقامته القصيرة في عمّان، مطلع العشرينيات من القرن الماضي. ووجه التشابه بين العارف والزركلي أن الأخير قدم إلى عمّان، وعمل مع حكومة شرق الأردن، أولًا بوظيفة مفتش عام وزارة المعارف، ثم رئيسًا لديوان الحكومة ما بين عامي 1921 و1923. وقد غادر الأردن، مثل بقية الاستقلاليين السوريين الذين ضغط الإنكليز لإبعادهم عن مواقعهم القيادية العسكرية والمدنية، ومن ثم لإبعادهم كليًا عن البلاد. وقد بادر إلى نشر كتابه "عامان في عمان" في القاهرة عام 1925. مضمنًا إياه مشاهداته ومواقفه التي تعكس خيبة أمله في الحكم الناشئ في الأردن، بعد أن كان، واستقلاليون سوريون كثيرون، يراهنون على اتخاذ شرق الأردن قاعدة انطلاق لتحرير سورية من الاحتلال الفرنسي.

ومن الطريف أن عارف العارف والزركلي صدرت بحقهما أحكام بالإعدام قبيل انضمامهما لحكومة شرق الأردن، فالزركلي حكمت عليه سلطات الانتداب الفرنسي في سورية بالإعدام غيابيًا، وصودرت ممتلكاته بعيد معركة ميسلون، وكان حينذاك في فلسطين. أما عارف العارف فقد أصدرت عليه السلطات البريطانية حكمًا بالإعدام بتهمة التحريض على إثارة الشغب، إبّان هبّة القدس عام 1920، ومن ثم خفض الحكم إلى عشر سنوات سجنًا. وقد لجأ العارف بعد هروبه من السجن إلى دمشق، ثم إلى شرق الأردن، حيث اختفى في السلط، بحماية آل الخطيب فيها، إلى بعض الوقت، إلى أن أعفي عنه، وعاد إلى فلسطين، ليشغل مناصب إدارية مهمة في حكومة الانتداب.

رصد العارف التدخلات الفظّة والإملاءات الصريحة للمعتمد البريطاني، وغيره من الضباط والموظفين والمستشارين الإنكليز، في شؤون الحكم الداخلية

ومثلما فعل خير الدين الزركلي في كتابه "عامان في عمّان"، جاءت "يوميات عارف العارف في إمارة شرق الأردن" لتفعل الشيء نفسه، أي تسجيل تجربة العارف، وهو في أعلى سلطةٍ إدارية في الأردن، ولتروي تفاصيل تلك التجربة. ولعل أبرزها رصدُه التدخلات الفظّة والإملاءات الصريحة للمعتمد البريطاني، وغيره من الضباط والموظفين والمستشارين الإنكليز، في شؤون الحكم الداخلية. وفي المقابل، لا يتردّد العارف في إلقاء الضوء على تخاذل رجالات الدولة الأوائل وتقاعسهم عن مقاومة تلك التدخلات والإملاءات، بل وميلهم إلى استرضاء المعتمد البريطاني، والتهافت على رضاه.

ولعل أبرز الأمثلة على تدخل المعتمد البريطاني في شؤون الحكم المحلي ما أورده العارف في يومياته، في السادس من أغسطس/ آب 1928. إذ "أرسل المعتمد البريطاني إلى رئيس النظّار اليوم كتابًا قال فيه: لقد حان الوقت الذي يجب أن ينقل فيه قائممقام العقبة، نجيب بيك الحمود إلى مكان آخر". ويضيف العارف: "وتذكّرت كتابًا كان المعتمد قد أرسله إلينا قبل بضعة أيام، وقد قال فيه إنه لا يوافق على تعديل اقتراح الرئيس حول رواتب اثنين في السعاة".. وتذكرت أيضًا "كتابًا تلقته الحكومة من المعتمد أمس الأول، وفيه ينصحها أن تُعنى بنظافة المراحيض، وإحكام سد فوهات الآبار، وما إلى ذلك من الشؤون التي تخصّ دائرة الصحة". ويعلق العارف: "قلت في نفسي، ما هي علاقة الآبار والمراحيض، ورواتب السعاة، ونقل قائم المقام من مكان إلى مكان، بالانتداب الذي فرضوه علينا؟! ولكن ليسوا هم، وإنما نحن الجُناة لأننا نسمح لهم بالتدخل في شؤوننا إلى هذا الحد".

ما هي الأهمية الخاصة ليوميات عارف العارف في إمارة شرق الأردن، وما هو الجديد الذي كشفت عنه، ولم نكن نعلم عنه؟ الوجه الأول لأهمية اليوميات أنها كانت بمثابة "شهادة من داخل البيت الحكومي" لشرق الأردن، خلال السنوات الثلاث الفارقة في التاريخ الأردني، أي السنوات التي شهدت إحكام سيطرة الإنكليز على شؤون الحكم في شرق الأردن، بعد إخراج الاستقلاليين الذين كانوا قد ساعدوا الأمير عبد الله بن الحسين على إقامة أول حكومةٍ في البلاد، وتنظيم صفوف القوات العسكرية والأمن خلال السنوات 1921/ 1924. كما أن عارف العارف كان شاهدًا على توقيع المعاهدة الأردنية البريطانية الأولى عام 1928، وعلى وضع القانون الأساسي (الدستور الأول للبلاد)، وإقرار قانون انتخاب المجلس التشريعي الأول، وعددٍ آخر من القوانين الّتي مثّلت قيودًا على الحريات السياسية، مثل "قانون النفي والإبعاد" وغيره. ولكن الأهم من هذا كله، ما كشفه عارف العارف من وجود حلقة سرّيّة من الموظفين العموميين في حكومة شرق الأردن كانت تلتقي دوريًّا، وتستقبل المزيد من الأعضاء، بنيّة مقاومة الاتّفاقية الأردنية البريطانية لعام 1928، والتصدّي بأشكال المعارضة للسياسات الهادفة لإخضاع البلاد وللعمل على قيام حكومة دستورية منتخبة.

إعارة حكومة فلسطين الانتدابية العارف، وموظفين مدنيين فلسطينيين، خطوة تكميلية لإحكام الهيمنة البريطانية على إدارة شرق الأردن

من ناحيةٍ أولى، ربما كانت وقائع كثيرة كشف عنها عارف العارف بشأن التدخّل البريطاني المباشر وشبه اليومي في أعمال الحكومة معروفة ومنشورة من قبل، لكن أهمية اليوميات أنّها قدّمت قرائن من داخل الحكومة عن تلك التدخّلات التي كان يمارسها المعتمد البريطاني أو قائد الجيش، ومنها أيضًا المحاولات المتكرّرة لإملاء إرادتهما على الأمير عبد الله، سواء فيما يخص الشؤون الداخلية للبلاد أو علاقاتها الخارجية، سيما العلاقات مع المملكة العربية السعودية. على أن الجديد فعلًا في "يوميات عارف العارف .. " هو إفصاحه عن وجود "جماعة أنصار الحق" السرية التي كانت تتألف من خمسة مؤسسين لها، هم: صالح بسيسو، شكري شعشاعة، عبد الرحيم الخطيب، سعيد الخطيب، إضافةً إلى عارف العارف. وقد تتالت أخبار هذه الجماعة السرّيّة في يومياته خلال عامي 1928 و1929. والمفارقة هنا أن هؤلاء، أو معظمهم، كانوا يشغلون مناصب مهمة في حكومة الإمارة، فصالح بسيسو كان آنذاك رئيسًا لمحكمة الاستئناف، وشكري شعشاعة كان مديرًا للواردات في مالية الحكومة، وعارف العارف كان يشغل منصب سكرتير عام الحكومة. وتورد اليوميات، بين حين وآخر، مزيدا من المعلومات عن انضمام شخصياتٍ حكومية مرموقة إلى "جماعة أنصار الحق".

ما هي "جماعة أنصار الحق" ولماذا نشأت وما هي أهدافها؟ يكتب عارف العارف، في يومية 20 يوليو/ تموز 1928، واصفًا الاجتماع الذي عقدته الجماعة ذلك اليوم، ويقول: "وبعد أن استعرضنا الوضع الحاضر، وهو وضع سيئ للغاية، تحالفنا على أن نعمل بعد اليوم يدًا واحدة كي نعالج الفوضى المنتشرة في طول البلاد وعرضها، ونقاوم تدخّل الإنجليز وغطرستهم، ونضع حدًا لدسائس أذنابهم. وفي نيّتنا أن نعمل معًا على توجيه الشعب وتنبيهه إلى واجباته، وحثّه على المطالبة بحقوقه؛ تلك الحقوق الّتي لخّصناها في تأسيس حياة نيابية صالحة، وإجراء انتخابات حرّة لمجلس نيابي يتمتع بما تتمتع به المجالس النيابية في العالم الحر". ويضيف العارف "سنسعى للإكثار من عدد الأنصار المخلصين والإخوان الصالحين، على ألا نحتفظ بأي قرار خطّي، وألاّ نقبل في صفوفنا أي شخص لا يزكيه ثلاثة منّا، نحن الخمسة المؤسسين، وقد أسمينا نفسنا أنصار الحق".

شهادة من داخل البيت الحكومي لشرق الأردن، خلال السنوات الثلاث الفارقة في التاريخ الأردني

وفي يومية عارف العارف لليوم التالي (21 تموز/ يوليو 1928) يعود ليعلّق على الاجتماع الذي عقدته جماعة أنصار الحق، فيقول: "ليست لنا أهداف شرّيرة، ولا نية سوداء، ولا في نيتنا أن ندعو إلى الثورة، وإنما نرمي إلى دفع الأذى عن بلادنا، وتنبيه الشعب إلى حقوقه وواجباته بالطرق السلميّة، وإن كنّا نرى ضرورة التكتم في الوقت الحاضر، فذلك خشية التعرّض للأذى". وتحتفي اليوميات اللاحقة بما حقّقه "أنصار الحق" من إنجازات سريعة، منها انعقاد المؤتمر الوطني الأردني الأول في 25 تموز/ يوليو 1928، وإقراره "الميثاق الوطني" الذي تحوّل إلى برنامج إجماع للحركة الوطنية الأردنية سنوات طويلة، ومن هذه الإنجازات انضمام مزيد من الشخصيات الأردنية البارزة إلى جماعة أنصار الحق، السرّية، وكذلك طلب اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني من عارف العارف ورفاقه في "أنصار الحق" الاستشارة فيما يجب عمله لمتابعة تنفيذ قرارات المؤتمر الوطني الأول.

ولكن ابتهاج عارف العارف لهذه النجاحات لم يطل، فقد تسرّب إلى علم المعتمد البريطاني والأمير عبد الله الأول نبأ وجود مؤيدين خلفيين في صفوف الحكومة للقائمين على حركة المعارضة والداعين إلى عقد المؤتمر الوطنيّ الأول. وهكذا يشير العارف، في يومية 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 1928، إلى المواجهة التي وقعت بينه وبين المعتمد البريطاني، الكولونيل كوكس، إذ يورد: "يقول المعتمد إن لديه من الأخبار ما يجعله على يقينٍ من أن هؤلاء المعارضين ما كانوا ليبلغوا هذه الدرجة من المنعة والقوة، لولا وجود رجالٍ في الحكم يؤيدونهم ويرشدونهم. ثم يضيف على لسان المعتمد البريطاني: "إن سمو الأمير يعتقد، ويؤيده في اعتقاده هذا رئيس النظار حسن خالد الباشا، إنك أنت أيضًا من المؤيدين لهؤلاء المعارضين". وبعد أن يشير إلى اجتماع عارف العارف بهؤلاء في منزل أحدهم، يدعو العارف إلى أن ينسحب من الأردن، وأن يطلب العودة إلى فلسطين، وهذا ما فعله فعلًا. ويفسّر انسحابه هذا بقوله إنه كان يبحث عن فرصة ملائمة للانسحاب من وظيفته قبل اليوم المذكور، ويضيف: "الانسحاب منها خيرٌ من البقاء فيها، وذلك لأننا قادمون على انتخاباتٍ اعتزمت الحكومة أن تطبخها طبخًا.. إذاً فلأرحل عن هذه البلاد، قبل أن أسجّل على نفسي العار، أو أن أغمس يراعي في صك كله إجرام، ومعاهدة طالما ذكرتها في مذكّراتي هذه، وقلت عنها أنها كلها سلاسل وأغلال".

 قدمت اليوميات قرائن من داخل الحكومة عن التدخّلات التي كان يمارسها المعتمد البريطاني أو قائد الجيش

في الثاني من ديسمبر/ كانون الأول 1928، وجّه عارف العارف كتابًا إلى الأمير عبد الله، طالبًا الموافقة على انسحابه من وظيفته التي عيّن من أجلها، وقضى قرابة ثلاث سنوات فيها. وقد واصل العارف كتابة يومياته حتى قبل أيام من مغادرة شرق الأردن في أواخر مارس/ آذار 1929، ولعل أهمها تدوينته يوم الاثنين 7 كانون الثاني/ يناير 1929. وهي تصف اجتماعا سرّيا عقدته عصبة "أنصار الحق" في الليلة الفائتة. ويستفاد من هذه التدوينة أن عدد أعضاء "أنصار الحق" ارتفع إلى 15 شخصًا، بالإضافة إلى عارف العارف. أي ثلاثة أضعاف ما كان عليه عددهم قبل عام. وفي هذا الاجتماع، تقرّر إعداد تقرير مسهب باسم اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني الأردني الأول، ليرفع إلى عصبة الأمم، وإلى وزارة المستعمرات في لندن والمندوب السامي في القدس، وكذلك إلى الأمير عبد الله ورئيس الحكومة. وحسب تلك المدونة، عهدت مهمة كتابة التقرير إلى عارف العارف ومحمد الشريقي، حيث أمضيا تلك الليلة وهما يعدّان التقرير الذي اتخذ شكل كتابٍ سمّياه "الكتاب الأسود في القضية الأردنية العربية"، وقد صدر في القدس، عام 1929. وكان ذلك آخر مساهمات عارف العارف في خدمة الأردن والحركة الوطنية.

بقي أن يشار إلى أن علي محافظة قد تولى تحقيق مخطوطة "يوميات عارف العارف في إمارة شرق الأردن" وتقديمها، بعد أن وقعت يده عليها مصادفة في سبتمبر/ أيلول 2017. وعاد مهند مبيضين إلى إجراء مزيد من التحقيق والدراسة بشأن اليوميات قبل صدورها عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، فلهما الشكر والتقدير لإحياء مرجع تاريخي، وضع قبل أكثر من 90 عامًا ولم يتح له النشر من قبل.