طريقة الشيخ نوري لتخفيف الوزن

18 مارس 2021
الصورة

(Getty)

+ الخط -

نصحتُ صاحبي نوري بالحدِّ من المعجنات، وهي كثيرة في ألمانيا، فهم يحبّونها. كان نوري قد ارتدى "قطيفة من نسج أسنانه"، كما تقول عبارة فاكهة من كتاب في الأدب والأخبار، "المستطرف في كل فن مستظرف"، تأليف بهاء الدين الأبشيهي. ونصحته بمشاهدة فلم "إكس لارج" لأحمد حلمي. وخطبت فيه خطبةً قصيرة، ذكّرته فيها بآلاء الله، ووصايا الآباء والأجداد، وذكرت له وصية الحكيم الحارث بن كلدة، أنَّ المعدة بيت الدّاء والحمية رأس الدواء، وأنَّ الإنسان يأكل ليعيش لا يعيش ليأكل، وأنَّ الشعب السوري محاصر، ويأكل بملعقة البطاقة الذكية، وأنَّ الشعب المصري يقوم بمعجزاتٍ في القوت، فيجعل من سيقان الدجاج وكوارعها مرقاً، وقد قلَّت حصّته من الأرغفة في البطاقة التموينية خارقة الذكاء، لأنَّ الرئيس يريده رشيقاً، و"صندوق تحيا مصر" بديناً، والأمر في اليمن أشدُّ وأنكى وأحزن.

وأسفت على أولئك الذين يصوِّرون موائدهم العامرة، في صفحات التواصل الاجتماعي. وقلت له نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا فلا نشبع، فقال إنه ينِّفذ هذه الوصيّة، فهو يأكل ويأكل ولا يشبع، فبيّنت له معناها الصحيح؛ وهو أن يأكل وفي نفسه رغبةٌ إلى الطعام، وليس أن يأكل بلا حساب ولا نحو، ولا ديانة، على طريقة الحقود كلينت إيستوود: "أن فورغيفن"، فلبث قليلاً وضرب على رأسه، وقال إنّه فهمها خطأ، ووعدني خيراً.

واقترحت عليه أن يركض معي كلّ مساء على ضفة النهر، ثم غاب عني فترة، والتقيت شاباً في السوق، فأخذني بالأحضان، فاستغربتُ وظننتُ أنّه صاحب كاميرا خفيّة. واستغرب هو برودي في العناق، فعرّفني بنفسه، وقال: أنا نوري، يا خال، فعرفته من بصمة الصوت، وهي بصمةٌ لا ترى إلاّ العين، ولا يعتريها النحول، وكان قد نحل كثيراً، حتى انقلب إنساناً آخر، مثل الكونت دي مونت كريستو بعد السجن، إنّها معجزة أن يخسر كلّ هذا الوزن في شهر واحد!

لم أعرف بطل مجموعتي القصصية "الحورية العثمانية"، إلّا من بصمة الصوت، وهي بصمةٌ لا تُرى إلّا بعين الأذن، ولكلّ حاسّةٍ عين. رأى الفراهيدي أنَّ العين هو سيّد الحروف، حتى سمّى معجمه العين.

وسألته عن الطريقة التي اتبعها، فأخبرني أنّها طريقة خاصة، لم تنزل في كتاب، وما جاء بها لبّ من الألباب، فأخذني من يدي، وقال: تفضل لأطلعك على السرِّ المكنون، فامتثلت ولحقت به، فوصلنا إلى نادٍ رياضيٍّ يسمونه "الجيم". وقال سترى بعينك، وقادني إلى صالةٍ كبيرةٍ فيها آلات للرياضة وحمل الأثقال ونفخ العضلات وشدِّها، وسيور عريضة أفقية، يركض عليها الراكضون، ووصل إلى سيرٍ عريضٍ يجري على بكرات. وقال: "هذه آلتي وحلم حياتي بين ماضٍ من الزمان وآت". وأمامه أربع غزالات ألمانيات، من حوريات الدنيا يركضن، فيجري خلفهن مثل الصيّاد الذي يجري وراء سرب غزالاتٍ لم أرَ مثلهن، كأنهنَّ الياقوت والمرجان، ويرتدين ثياباً رياضية ضيقة خانقة لاصقة صاعقة، فتختبل بجريهن الكواكب، وتضطرب هضاب المشرق بهضاب المغرب، فيلهث وراءهن، مثل بابا نويل الذي يقود أربعة وعول، حتى يبتلّ بالعرق ويغرق في ألحان الأجراس. وقال: "خال، هذه هي طريقتي، إنّني أجري وراء السراب مثل العطشان، وقد أطلقت عليهن اسماً من المائدة، وهو: الغرُّ المعجِنات. هؤلاء، يا خال، اللاتي خسفن بوزني، وجعلنني من الصالحين، وهنَّ زميلاتي اللاتي ألتقيهن كل يوم، ونتنافس في الأوزان، ونتعانق في الأشجان، وقد غدوت بطل مجموعة بابا نويل، كلما خسرت وزناً نلت عناقاً من الأربع، فما رأيك بهذه الطريقة في تخسيس الوزن؟" وكانت الغزلان الأربع يجرين أمامي، ويضحكن، وكنت مذهولاً، ومخطوفاً. وسألني أن يضمني في أحضان الجيم، يا خال، ونصير زملاء كفاح الوزن الزائد والعقل الفائض؟

فقلت: سجلني في الجيم والعين والضاد، ومن الألف إلى الياء... لكنَّ صوتي لم يخرج. كنت قد فقدت بصمة صوتي من شدِّة الوجد. وأظنُّ أنّي خسرت شيئاً من وزني وعقلي ودمي ودموعي وابتسامتي. وتمنيت مصيراً خسيساً، في الوزن، لجامعة الدول العربية مثل مصير نوري، على أن تحتفظ مثله ببصمة صوتها المطرب.