صنفٌ ثالثٌ يدهشك في المقهى

صنفٌ ثالثٌ يدهشك في المقهى

16 نوفمبر 2023

(محمد عمران)

+ الخط -

الأول، وهو المعروف لك حتى من غير كلام وتعرفه من زمن، لا يغلّب ولا يحيّر. والثاني، وهو الغريب لنفسه ومع نفسه ولا يخالطك ويتحاشاك أيضا، ويتحاشى غيرك في أنفة، حتى وإن كان رقيق الحال، وأنت أيضا في مأمن منه على أي حال. أما الثالث موضوع حديثنا فهو الغريب الطارئ، ويختارك كفريسة بعد أن يسقُط فوق طاولتك، وكأنه كان يخطّط لذلك من سنة، من دون أن تعرفه أبدا، ومن دون أن يعرفك أيضا، وهذا باب الغرابة في الأمر كله. إذن، أنت في مباراة طويلة الأجل، وقد بدأت، وأنت هنا لا تعرف مداها ولا سرّها ولا حتى مقصدها، حتى وإن ادّعيت أيّ تفسيرٍ كان.

هكذا يجلس بجوارك يداعب الصبر ويعاندك، وأحيانا يقول في تلفونه محدّثا شخصا هناك: "إيه يا باشا؟ نايم ولا إيه؟ الواتس بتاع صاحبك كام؟ أصل مش عاوز يردّ علي يا باشا"، ثم يأمره أن يرسل رقم العمدة على "الواتس"، ثم يعود إلى مداعبة الهاتفين مرّة أخرى، من دون أن يلتفت إليك أبدا.

يمر الجرسون ربع ساعة، من دون أن يلتفت إلى الجرسون أبدا، ومن دون أن يطلب أي شيء، ومن دون أن يهتز أبدا أية اهتزازة ولو حتى خفيفة، وقد تطول اللعبة، ويكسب في النهاية الجولة، وتقوم أنت مرغما، أو قد يقوم هو، وهذا ما يحدُث نادرا، وقد يحدُث.

هل هذه ضرورة كونيّة كي يقولوا لصموئيل من مصر: أنت كنتَ تكذب علينا، فغالبا ما يأتي غودو من دون أن يكون ما بيننا وبينه أيّ ميعادٍ سابق، ويظل هكذا يداعب الهاتفين، حتى يمشى صموئيل بيكيت نفسه، أو يمشى هو، وهذا من النادر أن يحدُث، وإن كان قد حدث.

تبرُد القهوة أحيانا وهي خجلانة من الوقت. أما الشاي الخفيف فغالبا يتحمّل الموقف، ويحافظ دائما على بساطة المزاج والموقف، ولا يتورّط أبدا في أن تترك مكانك لهذا الضيف الطارئ الذي ما فكّرت قط، حتى في الحلم أن يجالسك رغما عنك.

هل هناك أشياء غريبة لابد لها أن تكمل المشهد؟ مثل أن تكون في هذا الموقف، شخص يمسك بهاتفيْن، ويكلم أشخاصا هناك، ثم يعود إلى الهاتفين وأنت مع صمتك، مرّة تحسُد صموئيل بيكيت، ومرّة تضحك من همومه وتقول له: تعال إلى مصر يا عم واضحك، وستكون فلسفة جديدة أخرى عن الانتظار، قد لا يعاتبك عليها صديقك سيوران، ولا يشاكسك أبدا بجملةٍ في شذراته، والتي جرح فيها أهل مهنته من الكتّاب والفلاسفة.

لماذا الحياة هنا، في مصر، لا تحتاج إلى فلاسفة، هل لأننا نأكل الفلاسفة بأوراقهم وكتبهم ومراجعهم، أم لأننا نضحك عليهم دائما وننساهم في كتبهم، فلماذا ذهب عنّا عبد الرحمن بدوي وإيهاب حسن مثلا، وسافر ألبير قصيري هو الآخر على ظهر باخرة من أكثر من 70 سنة، ولم يعد سوى مرّة، فكرة تستحق التأمل بالفعل. علاوة على الشاعر والفنان أحمد مرسي والمحلل النفسي مصطفى صفوان صاحب كتاب "الكلام أو الصمت". وقائمة طويلة وأمثلة أخرى لا تُحصى. وما يهمني في تلك المناسبة السريعة هو ألبير قصيري، بمناسبة الذكرى 115 لميلاده والتي مرّت علينا في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي. مات هو الآخر من سنوات في باريس (3 نوفمبر 1913 – 22 يونيو 2008 )، هل كل من يحسّ بالذات، ويشير إليه العالم بالعبقرية، يجب أن يتركنا على حالنا ويعيش بعيدا عنا، حتى الحكماء تأخذُهم العزلة إلى وحدتهم من دون المشاركة في الهرج والمرج والتمثيليات المصنوعة من قرون احتراما لذواتهم، هل لذلك يراهن الحكّام من قديم الزمان على الاستفراد بشعوبهم في شكل "زفّة مصنوعة"، ضيّقة المساحة، زفّة تهبط من القلعة، في شكل مولد أو انتخاب ديمقراطي جدا على طريقتنا، ويتراقص لها الزعران وحملة الطبول والمباخر والمزامير ووكالات الأنباء الأجنبية أيضا، ويمرّ الحاكم مبتسما أمام كسوة القلعة أو بعثة إلى السودان أو إثيوبيا إلى آخره، وبعد ذلك توزّع الذبائح والوظائف والأراضي والإقطاعيات إن وجدت، ويظل العقلاء هناك، ومن لم يعجبه يشرب من البحر، والبحر ليس ببعيد، فأخذ ألبير قصيري حقيبته وسافر في البحر ولم يعد إلا مرة يتيمة. والغريب أنه كان لا يحبّ الموسيقى، وكان يجاور العامة والزعران والشحاذين. كتابته، في تلك المباني البسيطة جدا والبائسة جدا، والتي ما زالت على حالها بالقرب من الفجّالة ناحية الغرب وراء محطّة مصر، ذلك المكان العامر بالصخب والمقاهي والأصوات والباعة والجنود والصعايدة وأهل الدلتا والفلاحين واللوكاندات، وعلى مقربة من محطّة سكة حديد مصر.

هل كان من مصير ألبير قصيري المولود في قلب الصخب أن يسافر إلى هدوء باريس، ويسكن غرفة واحدة متجنّبا كل الصخب 60 سنة، حتى مات هناك وحيدا بلا أنيسٍ يأتيه فجأة في مقهى، ويظلّ ساعة يُحدّث أشخاصا هناك من هاتفين.