سد النهضة .. وساطات مُفاجئة ومُريبة

سد النهضة .. وساطات مُفاجئة ومُريبة

26 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

تنوي الولايات المتحدة الأميركية لعب دور جديد في أزمة سدّ النهضة. الاتحاد الأوروبي يرحب بمطلب السودان القيام بوساطة. روسيا تدخل على خط الأزمة. مباحثات سعودية سودانية حول سبل حلّ أزمة السد. الإمارات تتقدّم للوساطة. جماعة الحوثيين اليمنية تعرض القيام بوساطة... إنّه موسم ومهرجان الوساطات المفاجئة، فهذه فقط بعض عروض الوساطة التي تدفقت أخيراً في مجرى أزمة سد النهضة الإثيوبي، على الرغم من أنّها تفجرت بشكل علني منذ أكثر من عشر سنوات. ولم تشهد طوال هذه السنوات محاولةً حقيقيةً من أيّ طرف للوساطة وتقريب وجهات النظر بين أطراف الأزمة الثلاثة. هناك استثناء وحيد هو المحاولة الأميركية التي قامت بها إدارة دونالد ترامب قبل عامين، باستضافة الدول الثلاث ورعاية مفاوضات مكثفة، انتهت بمسودة اتفاق وقعت عليها مصر بالأحرف الأولى، بينما تهرّبت منها إثيوبيا.
في الأيام الماضية، ازدحمت نشرات الأخبار بتصريحاتٍ رسميةٍ لمسؤولين رفيعي المستوى من دول عربية وغير عربية، تتضمّن عرضاً للوساطة، أو تؤكد نية هذه الدولة أو تلك القيام بها، بل تكرّر هذا الأمر أكثر من مرة من بعض الدول. غير أنّ تلك العروض لم تكن جادّة، ولم يتبع أيّاً منها القيام بمبادرة وساطة فعلية، أو طرح اقتراح عملي، أو خريطة طريق، لإنجاح المفاوضات.
التفسير بسيط، أنّ أزمة سدّ النهضة دخلت في الأيام القليلة الماضية إلى منعطفٍ شديد الخطورة والحساسية، في ظلّ اقتراب الموعد الذي حدّدته إثيوبيا للمرحلة الثانية من ملء بحيرة السدّ، في مطلع يوليو/ تموز المقبل. ومع تفاقم القلق لدى مصر والسودان من هذه الخطوة، وتصاعد التراشق الإعلامي مع إثيوبيا، والذي وصل إلى حد تحذير مصر الصريح بعدم المساس "بنقطة مياه واحدة"، ظهرت على سطح الأزمة فجأة عدة مبادرات وعروض للوساطة من أطراف عدة. لكنّ هذا التفسير لا يكفي لفهم حقيقة تلك المبادرات، فلو كان الدافع هو الخشية من اندلاع نزاع مسلح، والحرص على إيجاد حلّ أو أرضية للتفاهم، لصاحبت تلك الوساطات المقترحة خططٌ لحلّ الأزمة. ولبادرت أيٌّ من تلك الدول إلى إيفاد وزير خارجيتها أو أيّ مسؤول رفيع لإجراء لقاءات عاجلة مع أطراف الأزمة لوقف التصعيد، والبحث عن أرضيةٍ مشتركةٍ ونقطة بداية لبلورة حلول. لكنّ أيّاً من تلك الخطوات الأولية لم تحدث. إذاً، لا دليل، حتى الآن، على الأقل، على أنّ تلك العروض حقيقية أو جادّة. والتفسير المنطقي لهذا المهرجان، أو "مزاد" الوساطات، أنّ تلك الدول تسعى إلى تسجيل موقفٍ لا أكثر.
وسواء انفجر الموقف أو تم استدراكه، تتحسّب هذه الدول لرد فعل مصر والسودان، والإحباط الذي سيصيب الدولتين من تقاعسها عن لعب أيّ دور مبكر. وأكثر الدول قلقاً هي التي تجمعها علاقات جيدة بإثيوبيا، بل يشارك بعضها في مشروع السدّ أو يدعم الاقتصاد الإثيوبي. وهو ما قد تعتبره القاهرة والخرطوم سلوكاً عدائياً، خصوصاً إذا تحوّلت الأزمة إلى مواجهة، واستُخدمت القوة بأيّ شكل.
من هنا، يمكن اعتبار تلك العروض بالوساطة "إبراء ذمّة" وتنصّلاً من مسؤولية المشاركة في تعطيش الشعبين المصري والسوداني وتجويعهما. وإذا قبلت إثيوبيا إبرام اتفاق، طوعاً أو كرهاً، فإنّ تلك الدول التي تتسابق حالياً للتمظهر وسيطاً سترغب بالتأكيد في انتزاع فضل رعاية الاتفاق. وكما سيكون لمصر والسودان موقف، وربما تحرّك إزاء تلك الدول، حال اكتمال بناء السد من دون اتفاق وربما انفجار الموقف، ففي حال كان لتلك الدول دور وإن محدودا أو شكليا في نزع فتيل المواجهة وإنهاء الأزمة بخسائر أقل، سيكون على القاهرة والخرطوم سداد فواتير تلك الوساطات.