رمزية الموت في مشهد النهاية

02 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

لم يكن رحيل حاتم علي، المخرج والممثل والكاتب السوري، المتحدر من الجولان المحتل، عاديا، إذ تبدو طريقة رحيله كما لو أن مخرجا ما أخرجها، وأبدع في جعلها درامية إلى الحد الأقصى، بحيث سبّبت الحزن لهذا العدد الكبير من المشاهدين في العالم العربي، فالحياة على ما يبدو تشبه مسلسلا دراميا طويل الحلقات أو قصيرها، وكلّ منا سوف يكون المشاهد وبطل النهاية في الوقت نفسه. في يوم الثلاثاء الماضي 29 / 12 من السنة الاستثنائية 2020، وضع المخرج المبدع آخر اللمسات في حلقة حياته، وغاب بتلك الطريقة الدرامية. 

نزحت عائلة حاتم علي (مواليد 1962) من الجولان المحتل، وهو في الرابعة أو الخامسة من عمره، قضى طفولته بالقرب من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في دمشق، قُبل في معهد الفنون المسرحية طالبا، ثم أصبح لاحقا مدرسا فيه. بدأ حياته الفنية ممثلا، واشتهر في أدوار تلفزيونية كثيرة له، سواء في مسلسلاتٍ من إخراجه، حين اعتنى بموهبته في الإخراج لاحقا، أو من إخراج غيره من السوريين. لن أذكر هنا أسماء المسلسلات التي أخرجها، ولا تلك التي لعب فيها أدوارا، فما قيل فيه منذ لحظة رحيله أعاد إلى ذاكرة الجميع إنتاجه كله، بما فيه المجموعة القصصية التي كتبها.

شهدت حياة حاتم علي التي بدأت بالنزوح محطّاتٍ كثيرةً في أمكنةٍ عديدة، كانت مصر أساسية فيها، منذ ما قبل 2011، لتترسّخ مكانا للعمل وللسكن مع العائلة بعد 2011، بعد أن تم التحريض عليه من فناني النظام السوري وشبّيحته، وتم فصله من نقابة الممثلين وتخوينه، مع أنه لم يدل يوما بتصريحاتٍ عنيفةٍ تجاه النظام، إلا أنه رفض بشكل قاطع التشبيح للنظام، وتخوين زملائه وأصدقائه وأبناء بلده، فقد كان يدرك أنهم القاعدة الأولى لنجاحه. ومن القاهرة هاجر مع عائلته إلى كندا، ليعود مرات عديدة إلى مصر بغاية العمل، آخرها منذ أكثر من شهرين حيث كان يستعدّ لإخراج عمل عربي ضخم عن سفر برلك، لتصيبه أزمة قلبية في أول الصباح في غرفته في الفندق، كانت أعنف ربما من أن يتمكّن من الاتصال بأحد أصدقائه الكثر في مصر، أو ربما شعر بالحرج من الاتصال بأحدٍ في هذا الوقت المبكر. لا أحد يعرف ماذا حدث وبما كان يفكر. نحن فقط نقترح مونولوغات عن لحظات رحيله، ليموت وحيدا تماما في غرفة في فندق، في بلدٍ له فيه أصدقاء عديدون، بعيدا جدا عن عائلته، وبعيدا عن سورية التي لم تترك أحدا ممن أحبّوها سليما أو معافى. 

أعادت هذه الدراما التي في موته إلينا، نحن السوريين، هيبة الموت وسطوته، بعد أن أصبح موت السوريين سنوات عديدة مبتذلا، بسبب استخدامه مادّة إعلامية على الهواء مباشرة، وسياسيةً يتم المتاجرة بها في أروقة السياسة في العالم، وأعاد إلينا ما نحاول تجاهله ونسيانه: كم نحن غرباء، أينما كنّا أصبحنا غرباء، حتى الذين لم يغادروا البلد هم غرباء فيها، إذ ما فعله حاتم علي، في معظم مسلسلاته التي أخرجها قبل الثورة، هو رثاء للطبقة الوسطى السورية التي كانت تتآكل شيئا فشيئا، وكانت شبه منتهيةٍ في بدايات الربيع العربي، ليصبح أفرادُها غرباء بعد الثورة، من خرجوا من سورية ولم يستطيعوا التأقلم والاندماج مع عوالمهم الجديدة، ومن بقوا في سورية ونبذتهم طفيليات الحرب، مالكو البلد الجدد. هل، يا ترى، كل هذا الحزن لموته كان لشخصه تحديدا أو لما يمثله، في الحياة والموت، من رمزيةٍ لسوريي العقدين الأخيرين من تاريخ سورية؟ ربما إجابة هذا السؤال شخصية جدا، وليس من حقّ أحدٍ المطالبة بها، فالحزن ليس جريدة حائط، حتى لو بدا كذلك أحيانا، الحزن أشبه بدفتر مذكراتٍ شخصيةٍ نفتحه كلما يذكرنا أحد به. ولنعترف بأن الحزن يصيب بالعدوى، خصوصا لمن هم مثلنا، نحن العرب، أصحاب تراث الموت الظالم والحزن المديد واللجوء القسري والقهر اليومي، أصحاب تراث الهزائم الدائمة حتى لأحلامنا. ربما هذا ما يفسّر الإجماع النادر على حزننا على رحيله. العرب بكوا فيه صانعا ماهرا للبهجة المحترمة ذات القيمة العالية المتمثلة في الدراما التلفزيونية التي تصل إلى كل بيت، لتكون تعويضا عن نخبوية السينما. أما السوريون فقد بكوا فيه أنفسهم، حياتهم الماضية، أحلامهم المفقودة، الوطن المفقود والشعب التائه الذي استطاع رحيل حاتم علي استعادته ولو ساعات قليلة، لنرى من خلال هذه الاستعادة مصيرنا البائس الذي نحاول تناسيه في يومياتنا.