حين يصبح الإنكار قاسياً وبشعاً

حين يصبح الإنكار قاسياً وبشعاً

30 أكتوبر 2021
الصورة

(معمّر مكي)

+ الخط -

دعيتُ يوما، في عام 2013، إلى إفطار رمضاني في بيت سيدة مصرية تنتمي إلى الطبقة المثقفة البرجوازية في المجتمع المصري، برفقة أصدقاء سوريين ومصريين ينتمون إلى الطبقة نفسها. أتذكّر أن معظم المدعوين يعملون في حقل الإعلام، ممن لا يمكن تجاهل أثر الإيديولوجية القومية (الناصرية) على أفكارهم. كان تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في أوج صعوده وسيطرته على مناطق سورية واستقطاب مجاهدين من كل العالم، وبالطبع من سورية نفسها أولا، فكان من الطبيعي أن تدور الأحاديث والأسئلة بشأن ما يحدث في سورية عن "داعش"، وكأن "داعش" السبب في كل القتل والتهجير الحاصل. أتذكر أنني توليت الإجابة عن الأسئلة المطروحة، كون السوريين الذين كانوا معي يعيشون في مصر منذ زمن طويل. أخبرت الحاضرين بأن "داعش" مجرّد نتيجة لسياسات النظام السوري بعد الثورة، واعتماده الحل الأمني والاستفزاز الطائفي لقمع المتظاهرين، مثلما أن سياسات التهميش والإقصاء والإفقار، والتي كانت ميزة النظام منذ عهد الأسد الأب تجاه مناطق سورية كثيرة وأريافها، ظهرت نتائجها بعد القمع الوحشي للثورة بأن انخرط كثيرون من أهل تلك المناطق في التنظيمات الجهادية التي ظهرت كطفرات متعدّدة، وقدّمت لسكان المناطق التي احتلتها ما يفتقدونه: المال والسلاح اللازم للدفاع عن أنفسهم وقتها، وأغوتهم بالشيء الوحيد الذي لم يتح لهم غيره منذ زمن: الدين، ولكن مع خرافاتٍ عن الجنة والحور العين. وأذكر أن الحديث أيضا تحوّل إلى الإشارة إلى تعدّد الطوائف في سورية، وتأثير ذلك على خطاب التنظيمات الجهادية الموجّه نحو العامّة.

كان مفاجئا لي يومها، بعد محاولات شرحي أسباب ما يحدث في سورية وأسباب ظهور تنظيم داعش، أن أقابَل بردٍّ من سيدة، عملت وقتا طويلا في الإعلام المسموع، كان غريبا ونافرا وغير مفهوم بالنسبة لي. قالت بلهجة مصرية خالية من ألفاظ الشارع المصري، التي ظهرت في العقدين الماضيين بعد انتشار سينما "العشوائيات" التي روّجت منطوقا لغويا لم يكن سائدا قبل ظهورها، قالت السيدة بالحرف: "الحمد الله، إحنا في مصر مش ممكن يحصل عندنا ده عشان ما فيش طوايف وملل". أجبتها بأن تنظيمات كهذه سوف تجد في الفقر والجهل بؤرا مناسبةً جدا لتنشر أفكارها، تعدّد الطوائف والملل يساعد خطابها الجهادي فقط، لكنه لا يقوي وجودها مثل الفقر أو الجهل أو التخلف. أجابتني باللهجة السابقة نفسها: "إحنا في مصر ما عندناش الفقر ده، ما فيش حد عندنا مش لاقي ياكل أكل كويس، ما فيش حد ما عندوش تلفزيون لو مش قادر يجيب شاشة حديثة، ما فيش حد ما عندوش مروحة لو مش قادر يجيب تكييف. ...". قلت لها إنني أستغرب هذا، إذ رأيت وسمعت عن مناطق في قلب القاهرة تعيش تحت أسقف من الصفيح. قالت "دول شوية عيال سرسجية مش عايزين يشتغلوا ولا يعملوا أي حاجة، عايزين يشوّهوا سمعة مصر بس".

كان هذا الحديث في عام 2013، أي بعد الثورة المصرية التي رفعت شعار "عيش حرية عدالة اجتماعية"، و"العيش" في اللهجة المصرية هو الخبز، وأن يكون هو أول شعارات الثورة، فهذا يعني أن الفقر قد بلغ مداه. أردت أن أقول هذا الكلام لمضيفتي، ولكنني أدركت من حديثها أن لا فائدة، فثمّة طبقة مجتمعية مصرية تعيش في فقاعة خاصة بها، لا تريد أن تعرف ما يحدُث حولها، أو تحاول إنكاره تماما عبر ادّعاء عدم وجوده، حال كثيرين في سورية أيضا، وحال كثيرين في عالمنا العربي البائس الذي قضت سياسات أنظمته على وجود الطبقة الوسطى وقيمها بالكامل، لتصبح المجتمعات مقسّمة إلى أكثرية مفقرة ومجهلة ومغيبة ومتروكة لقدرها وأقلية تملك كل شيء ولا تريد أن تعرف ما يحدث حولها. والطبقتان تجهلان تفاصيل حياة كل منهما تماما. كانت الطبقة الوسطى صلة الوصل الوحيدة بينهما، لكن اضمحلالها جعل الفرز حادّا، وجعل الإنكار قاسيا وبشعا. وبالطبع، لا يمكن لوم الأكثرية على جهلها، فهي تعاني أساسا من التنمّر والاستعلاء من الأقلية المالكة، ما يجعل الغضب داخلها في حالة تصاعدٍ، سينفجر على هيئة أمراض مجتمعية، سرقة، قتل، بلطجة، اغتصاب، عنف .. إلخ. لن ترى الأقلية هذا، وستتهم أصحابه أو من يحاول التنبيه إليه بتهمة تشويه سمعة البلد.