حزب الله شيء وإيران شيء آخر: نظرية سعودية

حزب الله شيء وإيران شيء آخر: نظرية سعودية

03 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

أن يتحوّل مخلوق مثل جورج قرداحي إلى صاعق لتفجير كل هذا الغضب السعودي على لبنان المنهار أصلاً من دون أن يتعرّض لأي حصار، فإنما في ذلك تضخيماً لرجل يختزل باسمه بؤس أحوال الإعلام المرئي والسياسة العربيين. وأن تنتظر السعودية تصريحاً من الصنف الذي أطلقه قرداحي ذاك قبل تعيينه وزيراً، لكي تتخذ كل تلك الإجراءات، ومعها بعض البلدان الخليجية الأخرى، ضد لبنان، فإنما في ذلك ما يعيد التشكيك في بديهيات السياسة والمنطق والحسبة الصحيحة للأمور، مهما صغُرت أو كبُرت. أما ما يُخرج الموضوع كلياً من القدرة على التحليل والقراءة السليمين للصراع السعودي ــ الإيراني، فهو مراقبة الحوار المستمر بين الرياض وطهران من جهة، والانفتاح السعودي على إعادة تأهيل نظام بشار الأسد، خادم ملالي إيران من جهة ثانية، في مقابل كل هذه الحملة على حزب الله.

لقد أصبحت المملكة، بالنسبة إلى الحزب الإيراني في الولاء والتمويل والعقيدة والتدريب والتسليح، تتقدّم على إسرائيل نفسها في سلم العداء. والحرب المفتوحة التي يشنها الحزب على السعودية لا تنقصها الأمثلة، في اليمن وفي مناطق سعودية وفي أي مكان تطاولها يد الحزب الطويلة، وفي كل موقف سياسي رسمي تقف خلفه السعودية في كل منبر عربي. وقد صار معتاداً في السنوات الماضية أن يكون لبنان دوماً في صف واحد مع العراق وسورية ويمن الحوثيين، القواعد الإيرانية الأربع في المنطقة العربية، حيال رفض كل بيان لوزراء الخارجية العرب أو مندوبيهم، إن كان النصّ المطروح سعودياً أو يلبي طلباً للمملكة. بالتالي، لا مفاجأة في مبادلته الكره من الرياض. في مقابل ذلك كله، يتقدّم الحوار السعودي ــ الإيراني الجاري في العراق، وتهدأ الهجمات الإيرانية في مياه الخليج، ويصدر كلام غير متوتر عن مسؤولي البلدين حيال العلاقات الثنائية. فمن أين يمكن مسك خيط الحملة السعودية التي انطلقت من تصريحات وضيعٍ لم يكن سوى الابن المدلل للماكينة الإعلامية السعودية على مدى سنوات، ووصلت إلى مستوىً عادةً ما يسبق إعلان الحصار ثم الحرب؟

إنّ استحضار صفات الطيش والانفعالية لتفسير قراراتٍ، مثل تلك التي تواصل الرياض اتخاذها ضد لبنان، من شأنه أن يزيد من انعدام الوضوح بدل الإسهام في الفهم. أما مقارنة ما تتخذه المملكة حالياً حيال بيروت، مع ما اقترفته بحق سعد الحريري، فإنّه أيضاً نهج يفاقم الغموض بدل أن يزيله. توحي القرارات السعودية المتواصلة بأن حكّام الرياض سائرون في صياغة "نظرية" جديدة، مفادها أنّ حزب الله شيء وإيران شيء آخر. للأصيل الحوار، وللوكيل العصا. انطلاقاً من الفرضية الفظيعة تلك، في ما لو صحّ وجودها، فإنّ الحوار مع إيران يمكن أن يتطور وأن يفضي إلى حلولٍ وتهدئةٍ جدّية بين العاصمتين، لكنّ التعاطي السعودي مع أدوات إيران سيكون منفصلاً عن العلاقة الرسمية بين البلدين. حاولت المملكة اللعب بالمقلوب، حين استضافت قبل فترة زعماء من مليشيات الحشد الشعبي في الرياض، وحين غازلت مراراً الحوثيين وأطربت آذانهم بكلام عن عروبتهم، وكأنّ هؤلاء يكترثون بعروبة في زمن السيد الإيراني. حاولت السعودية وفشلت، فيبدو أنّها قرّرت تجريب العكس تماماً: نتفاوض مع إيران، ونصل إلى حيث يمكن أن نصل، حتى لو قدمنا تنازلات في ظلّ هذه النعومة الأميركية حيال صقور طهران، لكنّنا نفصل ملف أتباع إيران عن السلطة المركزية لقيادة المحور.

إن صحّ هذا التفسير المقترح، تكون السعودية في ورطة حقيقية، ورطة سوء تقدير، وورطة توهم أنّ حزب الله أكثر من أداة إيرانية، وأخيراً ورطة تصديق أكذوبة أنّ النظام الإيراني يمكنه أن يتخلى يوماً عن أياديه التخريبية الطويلة.

إن صحّ هذا التحليل، وفي ضوء زيادة مؤشرات التطبيع السعودي الرسمي مع سورية، فإنّما يمكن التأكد من أنّ دمشق أصبحت حيّاً كبيراً في طهران، بلدية إيرانية يرأسها بشار الأسد، فبات ممكناً للرياض أن تعترف بصفته الجديدة.