حرب الإبادة بوصفها أمراً مشروعاً!

حرب الإبادة بوصفها أمراً مشروعاً!

22 أكتوبر 2023
+ الخط -

يقدّم اليوم خبراء عسكريون أميركيون دروساً وتوصياتٍ عديدة لجيش الاحتلال الإسرائيلي في كيفية التعامل مع الحرب على غزّة، والقضاء على البنية العسكرية والسياسية لحركة حماس، بصورة كبيرة. فأحد هذه المقالات لمايكل نايتس بعنوان "دروس من الموصل والرّقة"، الذي نُشر على موقع معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى في واشنطن، والمقرّب من اللوبي الصهيوني هناك، ومقال آخر ليوري كوفمان، في مجلة شؤون خارجية Foreign Affairs بعنوان "دروس حقيقية من يوم الغفران: لهزيمة حماس إسرائيل بحاجة إلى مقاربة جديدة أمنية".

من الواضح أنّ هنالك نسبة معتبرة من الخبراء والباحثين في مراكز التفكير والدوائر السياسية في واشنطن يعتبرون حرب إسرائيل بمثابة حرب أميركية، ويتجاوزون مشروعية العدوان والقانون الدولي وأي اعتباراتٍ لحقوق الإنسان وأي جوانب أخرى، ويركّزون على أمرٍ واحد، كيف تنتصر إسرائيل في الحرب العسكرية، وكيف تتجنّب الخسائر البشرية أو الهزيمة في عملية الاجتياح البرّي لقطاع غزّة.

ربما نقفز عن هذا المنطق، ونعتبر أنّه يمثّل، إلى حدّ بعيد، الواقع المعروف في التحالف الاستراتيجي والتاريخي والحميم بين الإدارة الأميركية والإسرائيليين، كما عبّر عن ذلك وزير الخارجية الأميركية (لم يذهب إلى إسرائيل بوصفه وزيراً للخارجية فقط، بل أيضاً ابناً لمهاجرين هاربين من المحرقة اليهودية) والرئيس الأميركي نفسه (تعهّد بحماية إسرائيل وبالوقوف المطلق بلا حدود مع أمن إسرائيل)، لكن الجديد هو التصريح دون أدنى محاولة للتورية أو التحايل بتبرير، بل ودعم، عمليات الإبادة الجماعية التي يقوم بها جيش الاحتلال في غزّة، بوصف ذلك أمراً مشروعاً ومنطقياً.

تتجاوز أهداف إسرائيل من هذه الحرب حدود هزيمة "حماس" عسكرياً، وإخراجها من المعادلة تماماً، بل أيضاً على ردّ الاعتبار للتفوّق النفسي - العسكري الإسرائيلي أمام العرب جميعاً، وفي المنطقة لمنع تدهور "صورة القوة العسكرية" الإسرائيلية، بوصف هذه الصورة السلاح الأكثر كفاءة وفعالية في الردع الإسرائيلي، ولإعادة الثقة للمؤسّسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية لدى الإسرائيليين أنفسهم، الذين أحدث هجوم "طوفان الأقصى" لديهم شكوكاً عميقةً في مستقبلهم وأمنهم ومدى قدرة إسرائيل على البقاء!

يُجاهر نايتس في مقالته بعدم إمكانية تجنّب قتل آلاف المدنيين في غزّة، في ظل الاجتياح البرّي، ويعتبر ذلك من مستلزمات الحرب، ويبرّر بوضوح عمليات الدمار والتهجير التي ستحدُث، مستلهماً دروساً من الموصل والرّقة، إذ، كما يكتب، هُدِّم في غرب الموصل وحدها (في الحرب على مسلّحي "داعش") 13 ألف مبنى في 180 يوماً من المعارك. وفي الرّقة بلغت نسبة ما هُدِّم 80% من مباني المدينة خلال 90 يوماً. وفي الحرب الحالية على غزة بعد خمسة أيام فقط وصل عدد المباني التي هُدِّمَت 535 مبنى، ويصل إلى أنّ عملية التهديم هذه ستميل إلى التسارع عندما تبدأ الحرب البرّية، وتحتاج القوات إلى نيران. ويرجّح نايتس أن يتجاوز حجم الدمار في غزّة ما حصل في الموصل والرقّة!

على قاعدة توصيف حركة حماس بـ"داعش"، وبوسمها بالإرهاب، يجري تبرير حرب إبادة كاملة ضد الشعب الفلسطيني وشرعنتها، وطالما أنّ الأميركيين اشتروا هذه القصة (وصف "حماس" بداعش)، بل روّجوها وتبنّوها، فإنّ الإسرائيليين يقولون لهم اليوم: كما أنّكم دمّرتم الموصل والرّقة، وشرّدتم ملايين المدنيين وقتلتم عشرات الآلاف ممن ليسوا أفراداً في "داعش"، ولم يحاسبكم أحد، لأنّ هذه "طبيعة حروب المدن"، فإنّ عليكم أن تقبلوا ما نقوم به اليوم من تدمير كامل للمدنيين وحرب إبادة وقتل آلاف المدنيين وتشريدهم إلى مناطق أخرى خارج المدن، بغرض القضاء على حركة حماس وجناحها العسكري، لأنّ هذه الوسيلة الوحيدة اليوم لإعادة الطمأنينة إلى "المواطن الإسرائيلي" الذي يعيش وسط "مخلوقاتٍ" مرعبة!

لا أظن أنّ أيّ ادّعاء أميركي بعد اليوم بأي احترام أو تقدير أو اعتراف بالديمقراطية أو حقوق الإنسان الأساسية، وليس فقط السياسية، يمكن أن يشتريه طفلٌ صغيرٌ في العالم العربي والإسلامي، بعدما رأوا بأمّ أعينهم حرب الإبادة في غزّة التي ستعيد إنتاج سردياتٍ راديكاليةٍ على أنقاض جماجم الأطفال والنساء والشيوخ في غزّة.

محمد أبو رمان
محمد أبو رمان
أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية والمستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع.