جونسون والهروب إلى رواندا

جونسون والهروب إلى رواندا

17 ابريل 2022
+ الخط -

يحترف رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، الهروب من أزماته الداخلية إلى قضايا أخرى وحرف النظر الإعلامي عما يعانيه على صعيد الاتهامات الخاصة بخرق إجراءات الإغلاق وإقامة حفلات في مقرّ رئاسة الوزراء، وهو ما دانه به القضاء وفرض عليه غرامة مالية. وعلى الرغم من أن الغرامة بسيطة في قيمتها، إلا أنها تحمل دلالاتٍ سياسيةً كبيرة، خصوصاً أن جونسون هو رئيس الوزراء البريطاني الوحيد الذي يُدان بخرق القوانين في أثناء فترة حكمه. ومع ذلك لا يزال مصرّاً على رفض التنحّي، ومحاولة افتعال قضايا أخرى تثير الرأي العام البريطاني، والعالمي ربما.

في ذروة الحملة التي كان يتعرّض إليها جونسون بعد تغريمه، ومع تصاعد الدعوات المطالبة بتنحّيه عن رئاسة الوزراء، فاجأت الحكومة البريطانية العالم بالاتفاق الذي أبرمته مع رواندا لاستقبال طالبي اللجوء الذين يأتون عبر البحر. إعلان جذب اهتمام البريطانيين والمقيمين، وقسم الرأي العام بين مؤيد ومعارض، كذلك قسم السياسيين الذين انشغلوا عن مهاجمة سلوك جونسون، بانتقاد قرار الحكومة وموازنته مع ميثاق حقوق الإنسان والتزامات بريطانيا تجاه اللاجئين. الأمر نفسه بالنسبة للإعلام، والذي يبدو أن رئيس الوزراء البريطاني نجح في إدخاله في مسار مهاجمة الاتفاق أو الدفاع عنه، وتحليله وقياس الربح والخسارة بالنسبة إلى بريطانيا.

جونسون اعتاد هذه الألاعيب، فقد سبق أن تلقّف الحرب الروسية على أوكرانيا ليهرب بها من الأزمة نفسها الخاصة بـ"حفلات الإغلاق"، والتي كانت في بدايتها، إذ وجد في الحرب الروسية ملاذاً، وتولّى قيادة حملة التصعيد الأوروبية ضد روسيا، ودفع الحكومة البريطانية إلى اتخاذ جملةٍ من الخطوات ضد روسيا ورجال الأعمال الروس الناشطين في بريطانيا، والذين اكتشف "فجأة" أنهم تابعون للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ففي بداية الحرب، لم يفوّت جونسون يوماً من دون عقد مؤتمر صحافي أو الخروج بتصريح تصعيدي ضد بوتين، زاود فيه على الرئيس الأميركي جو بايدن. ولكن الحرب الأوكرانية لم تعد مثيرةً للاهتمام بعد الآن بعدما دخلت شهرها الثاني، وتحولت أخبارها إلى روتين يومي يشبه باقي الحروب أو الاضطرابات الدائرة منذ سنوات في العالم، ما دفع جونسون إلى ابتكار ضجة جديدة، فكان الهروب إلى رواندا.

غير أن هذا الهروب سيكون مؤقتاً، خصوصاً أن كل التقديرات تشير إلى أن هذا الاتفاق المثير للجدل سيسقط في وقت قريب، ولا سيما أن تجارب مماثلة سبقت بريطانيا أثبتت فشلها عملياً، إضافة إلى تكلفتها الباهظة على الاقتصاد البريطاني، إذ سيموّل عملية "دمج طالبي اللجوء" في رواندا بنحو 160 مليون دولار، وهو عملياً مبلغ أكبر مما يمكن أن تنفقه الحكومة البريطانية على عملية دمج اللاجئين في المملكة المتحدة. المؤشّر الآخر والأهم، والذي يمكن أن يؤكّد أن هذا الاتفاق ليس إلا واحدة من ألاعيب جونسون، هو الحاجة البريطانية الماسّة إلى اليد العاملة الرخيصة، بعد خروج آلاف العمّال في أعقاب تطبيق اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهو أمر لا يمكن أن يؤمّنه اللاجئون الأوكرانيون، والذين لم تفتح لندن أبوابها لاستقبالهم. وفي حال لم تكن هذه المعطيات كافيةً لمنع الاتفاق من الدخول إلى حيز التنفيذ، فإن اللجوء إلى المحكمة العليا، وهو ما يهدّد حقوقيون بفعله في حال تطبيق الاتفاق، سيكون كفيلاً بإسقاطه.

كل هذا الجدل الآن حول الاتفاق ومآلاته، وما إذا كان سيصمد أو ينهار، هو تحديداً ما يريده جونسون في هذه الفترة من مسيرته السياسية، والتي وصلت إلى مشارف نهاياتها. غير أنه نجح، على ما يبدو، في الهروب مؤقتاً، بانتظار ضبطه متلبّساً بارتكاب مخالفات أخرى، وهو أمر ليس بعيداً عنه أبداً.