تلك الأيام في ووهان

تلك الأيام في ووهان

28 يناير 2022
+ الخط -

ضجّ الإعلام في العالم كله، قبل عامين، في مثل هذه الأيام والأسابيع، باسم مدينةٍ في الصين لم يكن ذائعا، ووهان، بعد أن اكتشفت فيها السلطات الصحية في البلد، فادح المساحة والسكان، أولى الإصابات بفيروس كورونا المستجدّ، والذي سمّته منظمة الصحة العالمية تاليا "كوفيد 19". وعلى ما صرنا نعرف، يقطن المدينة 11 مليون نسمة، وهي السابعة في الصين اكتظاظا بالسكان، والتاسعة من حيث الأهمية الاقتصادية، وفيها صناعاتٌ للحديد والفولاذ والسيارات، وعدّة فروع لمئات الشركات العالمية. قبل أن يصل الفيروس إلى بلادنا العربية، وبعيْد أن فعلها ووصل، وقبيل الإغلاقات المعلومة والإجراءات إياها وفي غضونهما، كنا ننشدّ إلى الأخبار من هناك، من ووهان، ومن الصين عموما، ثم من أوروبا وأميركا (إيطاليا أولا). في الأثناء، اشتُهر اسم طالبٍ لبناني، يدرس الدكتوراة في الاقتصاد (الكمّي) في هذه المدينة، أدهم السيد (34 عاما). آثر البقاء فيها، فلم يغادر مع طلبةٍ عربٍ قدمت إليهم طائراتٌ من بلدانهم لنقلهم منها. لم يكن في أمرِه هذا يستخفّ بالفيروس ويهوى المغامرة، وإنما لأن منظمة الصحة العالمية لم توصِ بمغادرة ووهان، ولأن الرحيل لا يعني النجاة من الإصابة، ولأنها إجراءاتٌ وتعليماتٌ مشدّدةٌ للوقاية في وُسعه الالتزام بها. وأيضا لأن حربا ضد "كورونا المستجدّ" هذا تخوضها المدينة التي يحبّها، ومعها الشعب الصيني الذي يمحضُه إعجابا كبيرا، وفي وسُعه أن يشارك فيها. وللحق، أبدى أدهم شجاعةً خاصةً في قراره، ونمّ خياره هذا عن مناقبيةٍ أخلاقيةٍ، ونضجٍ ثقافي، فيه.

عكف الشاب اللبناني، في غضون الحجْر المنزلي الذي ألزم نفسَه به، قبل أن تفرضه السلطات المختصّة وبعده، على كتابة تدويناتٍ في "فيسبوك" تُعرّف قارئيها بأحوال ووهان، وبتفاصيل موجزة، وافيةٍ إلى حد ما، عن الحالة الوبائية، وكذا الاجتماعية العامة، في المدينة التي كانت تُغالب وضعا صعبا بشجاعة وانضباط، وعن الإجراءات الرسمية والالتزام المطلق بها في الصين. واشتمل بعض تلك التدوينات، منذ الأيام الأولى لاكتشاف الفيروس حتى صارت الإصابات في المدينة صفرا، في 19 مارس/ آذار 2020، على فيديوهاتٍ صوّرها من حيث هو، وعلى رسومٍ بيانيةٍ وإحصاءاتٍ وأرقامٍ موثقةٍ منسوبةٍ إلى مصادر رسمية وأخرى علمية، وعلى مطالعاتٍ في تقارير ودراساتٍ متنوعة، صينية وأجنبية (أدهم لا يعرف الصينية، فاستعان بزميلةٍ له للترجمة). ولنشاطِه هذا، صار أدهم السيد ضيفا على شاشات فضائيات عربية عديدة، وتحدّثت إليه صحف ومواقع عربية متنوعة (منها "العربي الجديد") للحديث معه من ووهان. ولم تكن استجاباتُه لكل هذه الطلبات الإعلامية بدافع شهرةٍ يتوسّلها، وإنما لما استشعره من ضرورة جلاء "حقيقة" المشهد في المدينة، الشهيرة في حينه، أمام استهدافاتٍ دعائيةٍ وتوظيفاتٍ سياسيةٍ في الإعلام صارتا ضد الصين، سيما من إدارة الرئيس ترامب في الولايات المتحدة، والتي وجدت الفيروس فرصةً مُثلى للحطّ من سمعة هذا البلد ومكانته. وليست منسيةً في الأثناء تسمية ترامب (ووزير خارجيته بومبيو) إشاعة اسم "الفيروس الصيني" على "كوفيد 19"، في خرقٍ فاضحٍ لبديهيةٍ طالما شدّدت عليها منظمة الصحة العالمية، عدم نسبة أي وباءٍ أو مرضٍ إلى بلدٍ أو شعبٍ أو عرق. وقد بدا أن أدهم السيد أناط بنفسه دورا في مواجهة هذا كله وغيره، معتمدا، ما أمكن، على ما يوفّره من معلوماتٍ محققة، وإنْ مدفوعا، من قبل ومن بعد، بميله الشخصي إلى الصين وخيارات السلطة فيها، ونهجها المعلوم، ونأيِه عن الرأسماليات وصنائعها.

تفاصيل أيام أدهم السيد تلك في ووهان، واجتهاداتُه وتدويناتُه فيها، وهما على قدرٍ ظاهر من الموضوعية والتحقق العلمي، ومعايشاته وتواصله مع أهله في لبنان، ومع زملاء وأصدقاء ومعارف له، تجتمع في كتابٍ أصدره "كوفيد 19، هكذا كانت ووهان .." (دار الفارابي، بيروت، 2020). أقول إنه جذّاب للقراءة، لا تخصم من قيمته وعلميّته الروحُ السجاليّة في مطارح فيه، والمطبوعة بحماسٍ ظاهرٍ تجاه الصين وإجراءات سلطاتها لتطويق الفيروس، وحماسِ موازٍ في نقد القصور الأميركي (وبعض الأوروبي) في تلك الأيام في شأن التغلّب على الوباء. وأقول أيضا إن الكتاب مقنعٌ في تصحيح أخبار ليست دقيقةً ذاعت في تلك الأيام (قصة الطبيب الذي نُشر أنه اكتشفَ أول إصابةٍ واعتقلوه ثم مات، مثلا). وأقول، أخيرا، أشجّع على قراءة هذا الكتاب (تُرجم إلى الإنكليزية والصينية) لما فيه من  معرفة، وسموّ أخلاقي. أما الهوى السياسي فيه، فلا أظنّه أضعفَ المادة العلمية والتوثيقية فيه، ومن شاء السجال مع مواضع هذا الهوى فليفعل.