تطبيق القانون انتقائياً

12 فبراير 2024
+ الخط -

تتناقل وسائل الإعلام المصرية، بإلحاح، أنباء حملاتٍ تشنّها الأجهزة الأمنية في مصر ضد شبكات اتجار في العملة والذهب. وفضلاً عن أن الاتّجار في العملة وتداولها ليس مُحرَّماً ويُفترض ألا يكون مجرَّماً، من شأن الإلحاح الإعلامي في بثّ تلك الأنباء وتأكيد ملاحقة الأمن لتلك "العصابات" أن يثير تساؤلاتٍ عن أسباب اكتشاف تلك الشبكات والممارسات "غير القانونية" في هذا التوقيت تحديداً، فبالتأكيد ليس الأمر عفوياً أو محض مصادفة، أن تسقط سريعاً شبكات عدة وعصابات خبيرة في نشاطها "المجرّم". في ظل صعوبة تتبّع الشبكات المالية والكيانات العاملة في مجال تداول النقد والصرافة، بما يتطلب وقتاً طويلاً وتحرّيات معلوماتية وميدانية وعملاً أمنياً دؤوباً وممتدّاً. ولا دلائل على توافر تلك الكفاءة لدى أجهزة الأمن المصرية، وتحديداً إدارات الشرطة المختصّة بالجوانب غير السياسية في الأمن، على خلاف الأقسام والمجموعات المعنية بالأمن السياسي ومكافحة الإرهاب وملاحقة كل من لديه توجّه معارض، ولو بالنية فقط. 
المعنى أن فكرة مفاجأة الدولة بوجود كبار تجار العملة والذهب والشبكات المرتبطة بهم تبدو غير واقعية، بل غير منطقية. والأقرب إلى الواقع والمنطق، أن أجهزة الدولة تعلم مُسبقاً علم اليقين بنشاط من تعتبرهم حالياً خارجين عن القانون، فهم ليسوا أشباحاً خفية، ولا الكيانات التي يديرونها ظهرت فجأة في الأسابيع الماضية.
والواقع أن تحرّك الدولة المصرية، على نحو استثنائي، ضد أنشطة غير قانونية، ليس أمراً جديداً. وتتوافر حالات عديدة على التعامل الانتقائي مع انتهاكات للقانون، ومن تلك الحالات، يمكن فهم (وتفسير) الانتفاضة المفاجئة أخيراً ضد تجارة العُملة. فمثلاً، تتفشّى حزمة كبيرة من الظواهر والممارسات غير القانونية في كل مدن مصر وأحيائها، باستثناء المناطق الراقية، تشمل تجارة الملابس والسلع المغشوشة والأغذية مجهولة المصدر على أرصفة الشوارع. وتتضمّن أيضاً وسائل نقل غير مرخّصة، بل وغير آدمية، منها "التوكتوك" وعربات نقل البضائع وسيارات الركاب الجماعية (الميكروباصات). ويعمل في هذه الأنشطة مئات الآلاف، وربما بلا ترخيص ولا موافقات رسمية. أما المتاجر التي تملك تراخيص ومقنّنة، فمعظمها ينتهك شروط الترخيص ويخالف القوانين بأشكال متنوّعة. 
المعتاد في مصر أن تلك الأنشطة تجري تحت سمع الدولة وأعينها، بمختلف أجهزتها الأمنية والدوائر المحلية، لكن تلك الأجهزة المختصّة لا تتحرّك لمنع تلك الممارسات غير القانونية، بسبب الفساد في دوائر المحليات، وتوظيف الأمن أصحاب تلك الأنشطة واستخدام العاملين بها، في مهامّ وعملياتٍ أمنيةٍ وسياسيةٍ تتضمّن جمع معلومات ومواجهة أي محاولات للتظاهر أو تنظيم احتجاجات وغيرها من أشكال المعارضة أو التعبير عن الرأي بواسطة المواطنين.
وعند مرور مسؤول كبير أو تفتيش مفاجئ من جهات رقابية، أو غير ذلك من أحوال استثنائية، تنضبط الأمور فتُوقف المتاجر تجاوزاتها وتخلو الأرصفة من الباعة وتختفي "التكاتك" من المنطقة والشوارع من العربات المهترئة. وبالطبع، يحدث ذلك بإيعاز مسبق من الأجهزة والجهات الرسمية التي يُفترض أساساً أنها المسؤولة عن منع تلك التجاوزات نهائياً. أي إن هناك صفقة مفادها السماح لأولئك الخارجين عن القانون بممارسة أنشطتهم، التجارية وغيرها، مقابل الاستعانة بهم عند اللزوم لصالح أهداف النظام وبقائه. 
ولا أرى اختلافاً في حالة تجّار العملة والذهب عن باعة الشوارع أو سائقي الميكروباصات، فالجميع يعمل وينشط بموافقة  السلطات وأجهزتها ورعايتهما، وبأمرها أيضاً يتوقف العمل ويُجمد النشاط. وبالتالي، ما يسمّيها إعلام النظام "عصابات" العملة والذهب، ليست سوى مجموعات ملء السمع والبصر منذ عقود. وربما رفض بعضُهم التوقف، ولو مؤقتاً، عن تداول الدولار أو المغالاة في تسعير الذهب، فكان لا بد من عقاب، أو هي تضحية ببعضهم ككبش فداء، لحماية أباطرة أكبر وأكثر أهمية للنظام وتداخلاً معه.

58A20E76-8657-4557-85A3-A5682BEB4B9A
سامح راشد

باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط. درس العلوم السياسية وعمل في مراكز أبحاث مصرية وعربية. له أبحاث ومقالات عديدة في كتب ودوريات سياسية.