تسليم الدولة للمجتمع

تسليم الدولة للمجتمع

08 نوفمبر 2021
الصورة

(محمد عبلة)

+ الخط -

توضع القوانين لتنظم العلاقات، وتضع القواعد الحاكمة لحقوق الأفراد وواجباتهم، سواء فيما بينهم أو بين المجتمع والدولة. وحيث إن فلسفة القانون هي البحث عن العدل وإقرار الحق، فإن الترتيب المنطقي للأشياء هو وضع القوانين لتشريع المسموح وتجريم الممنوع. غير أن ظاهرة جديدة بدأت تتسلل إلى الساحة المصرية في الأعوام القليلة الماضية، وهي تقنين الممنوعات والتسامح مع الانتهاكات. وفرضت الظاهرة نفسها بقوة على المشهد العام في مصر قبل عامين، حين قرّرت السلطة الحاكمة فجأة فتح ملف المخالفات المرتكبة في مجال البناء والعقارات، وتقنين موقف المخالفين عبر "التصالح" مع الدولة. وفي العام الماضي، قرّرت السماح بترخيص مركبة ثلاثية العجلات يطلق عليها المصريون "التوكتوك". وفي تعديلات جديدة استحدثت أخيراً في قانون المرور، تقرّر تخفيض سن الحصول على ترخيص بقيادة بعض المركبات إلى 16 عاماً.
المشترك بين هذه التطورات أنها تتعلق جميعاً بتغيير الدولة المصرية موقفها تجاه مخالفات أو انتهاكات صريحة ومباشرة، إما لقوانين سارية، أو لقواعد وتقاليد عمومية استقرّ عليها المجتمع عقوداً وربما قروناً. وما يدعو إلى الدهشة أن التغيير ليس بتفعيل القوانين وتطبيقها بصرامة، وإنما بتغيير القوانين ذاتها لتتكيّف مع الوضع القائم وتتواءم مع اختراقاتها (!). وعلى الرغم من أن هذا التوجه يوحي بأن الدولة قد يئست من إمكانية تفعيل القوانين، أو سلمت بعجزها عن ذلك، فإن الواقع ينفي ذلك التفسير، إذ تستطيع السلطة تنفيذ ما تريد حين تريد. بينما التفسير الأقرب إلى الواقع هو الميل إلى مهادنة الشعب، وتحديداً فئات محدّدة، تحرص السلطة على استرضائها، خصوصاً في ظل العجز عن توفير بدائل أو ابتكار حلول لمشكلات حياتية، يعالجها المصريون على طريقتهم بانتهاك القوانين أو التحايل عليها أو بابتداع طرق وأساليب جديدة للاسترزاق وتنظيم الحياة.
وبنظرة سريعة إلى ذلك المنحى الجديد في إدارة الدولة الواقع المصري، وتصدّيها لمشكلاته، يمكن بسهولة رصد مشكلات ومآزق كثيرة يعاني منها المصريون، ليس بسبب ارتكاب مخالفات أو التورّط في عمليات تحايل، وإنما بسبب تسامح القوانين الجديدة، وتشريع تلك المخالفات. وظهر ذلك على نطاق واسع في قانون التصالح على مخالفات البناء، حيث تركّز الاهتمام الرسمي على تحصيل مبالغ التصالح من المواطنين، في مقابل التعجّل في دراسة قواعد التصالح وإجراءاته نفسها، فكانت الخطوة أكثر إشكالية وإضراراً بالمواطنين من وجود المخالفات الأصلية نفسها. وأدّى السماح بترخيص "التوكتوك" إلى تعقيد مواجهة الجرائم والانتهاكات التي يمارسها الفتية الذين يقودونه، بعد أن صارت تتم باستخدام وسيلة نقل تحظى بمشروعية قانونية. وهو ما يُنتظر أيضاً من خفض سن الترخيص لقيادة بعض أنواع المركبات إلى 16 عاماً، إذ يعتبر القانون المدني والقانون الجنائي وقانون الطفل في مصر أن سن الرشد هو 18 عاماً، وكل من دون ذلك طفل. وبالتالي، صار هناك تنازع قانوني ناجم عن تعدّدية التوصيف والتكييف، حال وقوع أية مخالفات في الشريحة العمرية من 16-18 عاماً.
ولمّا كان سر أزمات مصر الحالية تخلّي الدولة عن واجباتها في توفير فرص العمل ومقاعد الدراسة والخدمات الصحية و.. و.. و..، فإن ظاهرة تقنين المخالفات مستمرّة على الأرجح، وستمتد إلى مختلف أوجه الحياة اليومية التي يديرها المصريون فيما بينهم، من دون ضابط أو رابط. وهنا الكارثة الكبرى التي لا بد أن تثير خشية كل غيور على مصر ومستقبلها، وهي تغلغل القواعد العرفية ومنطق الأمر الواقع، وبالتالي سيادة قانون القوة بدلاً من قوة القانون. وحينئذ، تفقد الدولة كينونتها وجوهرها، وتصير اسماً بلا مسمّى، فيحكم الناس أنفسهم بأنفسهم، ولا تسري بينهم سوى قوانينهم المجتمعية، ولا يخضعون سوى للقواعد الخاصة بهم أو بكل فئة منهم.