تبّون وبوتين وسعيّد وخيط رابط

تبّون وبوتين وسعيّد وخيط رابط

24 يونيو 2023
+ الخط -

تابع الرئيس التونسي قيس سعيّد، بكثير من الانتباه والسعادة زيارة صديقه الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون موسكو، والطريقة التي استقبله بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وقد دلّت على احترامٍ وتقديرٍ كثيريْن، فسعيّد تربطه علاقةٌ قويةٌ بتبّون منذ البداية، وعدد الزيارات التي أدّاها إلى الجارة الجزائر أكبر دليل على ذلك، فمن أماني الرئيس سعيّد أن يزور موسكو، وأن يربط علاقات وطيدة بسيّد الكرملين، ومن هناك يعبُر مباشرة إلى بكّين حتى يتحرّر من الضغوط الغربية التي تحاصره من كل جهة، ويرى فيها محاولةً للتدخّل في شؤون تونس، وسعيا إلى الحيلولة دون انفراده بالسلطة.
ربما تكون زيارة تبّون موسكو تفتح الطريق للرئيس التونسي إلى تحقيق ما يفكّر فيه، وينوي القيام به في أقرب فرصة تتوفر له. وإذا كانت الجزائر لم تُدن الحرب الروسية على أوكرانيا، وحافظت على نوع من الحياد الذي فُسّر انحيازا لروسيا من دون تبرير تدخّلها العسكري، فإن الرئاسة التونسية اضطرّت إلى شجب العدوان الروسي تحت مظلة الأمم المتحدة. وقد فعلت ذلك مجبرةً نظرا إلى تشابك مصالح تونس مع المعسكر الغربي، وهو ما أخذته موسكو بالاعتبار، من دون أن تواصل مسعاها لكسب تونس إلى صفها وبناء علاقات إيجابية معها.
هذا المعطى أخذته بعين الاعتبار الحكومة الإيطالية، إذ أكدت في محاولة إقناع بقية الأطراف الغربية، ومن بينها الولايات المتحدة، على أهمية تونس الجيوسياسية، وحذّر من الدفع بها نحو الارتماء في أحضان روسيا والصين، وهو ما من شأنه أن ينعكس سلبا على الأمن القومي الأوروبي. ونظرا إلى أن المسألة التونسية أصبحت مطروحة بحدّة على الصعيدين، الدولي والإقليمي، فإن الجزائر تواكب بدقّة الوضع التونسي، ولا تترُك مناسبةً من دون أن تؤكّد، سياسيا على الأقل، تضامنها مع تونس. لهذا، استغلّ وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطّاف، التحرّكات التي تقف وراءها رئيسة حكومة إيطاليا، جورجيا ميلوني، وكذلك مشاركة الرئيس سعيّد في المؤتمر الدولي الذي عقد في باريس عن "ميثاق التمويل العالمي الجديد"، ليؤكّد أن تونس "تمرّ بمرحلةٍ صعبةٍ للغاية، وأفضل طريقة لمساعدتها عدم فرض أعباء إضافية قد تؤدّي إلى تفاقم  وضعها". ودعا إلى "تفهّم التأثير العميق لأحداث 1984 و1986 على الشعب التونسي". وهي أحداث دامية نتجت من التصعيد في أسعار عدة مواد أساسية، ما ولّد ردود فعل غاضبة لدى التونسيين، لكن الوزير عطّاف أكّد، من جهة أخرى، أن "التونسيين ليسوا ضد الإصلاحات الاقتصادية، غير أن من الضروري تنفيذها ضمن شروطٍ لا تكون موجعة للغاية".
يعتقد الرئيس سعيّد أن الجزائر يمكن أن تكون حليفا استراتيجيا يمكن الاعتماد عليه، رغم سماحها بتدفّق جزء من مهاجري دول جنوب الصحراء إلى تونس. كما أنه ضحى بالعلاقات التونسية المغربية، ففقدت تونس حيادها السابق، ولم تعد قادرةً على لعب دور البلد الجامع لدول المغرب العربي، فسعيّد يراهن على قوّة الجزائر العسكرية والسياسية مع  روسيا، ما قد يفتح الباب أمامها للالتحاق بتكتل "البريكس". ويعتقد أن تونس ستستفيد من ذلك، ويقلّ الضغط عليها من أوروبا وأميركا المتوقع أن ينظر الكونغرس فيها مشروع قانون خاص بتونس، سيقلّص، في حال المصادقة عليه، حجم المساعدة المالية للخارجية التونسية بنسبة 25%. وهذا يعني أن من شأن تكثيف التقارب التونسي الجزائري، ومن ورائه التونسي الروسي، أن يطلق يدي الرئيس سعيّد، ويجعله يتحرّر نسبيا من التهديدات الغربية التي ضاق بها وضاقت به.
النظام العالمي الجديد الذي طالما تحدّث عنه الرئيس التونسي يؤكّد، كما جاء في مداخلته في اجتماع باريس، على العدل والإنصاف، كما يؤكّد باستمرار على أنه يحمي السيادة. والسيادة عنده تعني عدم التدخّل في الشأن الوطني. وهو يقصد أن تونس ترفض، في هذا الظرف الدقيق، إملاءات صندوق النقد الدولي، وتنديد المنظمات الحقوقية، وكذلك بيانات الحكومات الغربية المتعلقة بحقوق الإنسان، أي أنها تطلب السكوت التام على الحكم المطلق في تونس.