بين صندوقي الرصاص والاقتراع

بين صندوقي الرصاص والاقتراع

23 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

في رابعة النهار، وعلى رؤوس الأشهاد، من غير إجهاد للعين أو إعياء للعقل، يتضح، في هذه الآونة المليئة بالشواهد الماثلة، أكثر من أي وقتٍ مضى، التناقض المسكوت عنه منذ شيوع هرطقات النظرية الماوية، بين ناظر المدرسة السياسية الابتدائية، الزاعم إن كل شيء ينبع من فوّهة البندقية، أي الاحتكام للسلاح في مطلق الحالات، وعميد الكلية الجامعية القائل، برصانة، إن الشعب مصدر السلطات. وبالتالي، فإن الانتخابات الحرّة النزيهة هي الآلية الوحيدة لإنتاج حياة ديمقراطية، يتم من خلالها احترام قواعد اللعبة البرلمانية، والاحتكام إلى المبادئ الدستورية، بما في ذلك تداول السلطة سلمياً.
ولعل ما جرى ويجري في غير بلد عربي، من انتخاباتٍ عامة، لعبور مرحلة التصحّر السياسي والاستبداد، ومن ثمّة الانتقال إلى الزمن الديمقراطي، والإمعان جيداً في ما يعقبها من انسداد، خير دليلٍ على شدّة التعرّض بين ذهنيتين متناقضتين، أي بين سدنة صندوق الرصاص، بوصف الرصاصة رمزاً لنزعة العنف والاستئثار، وأداة ناجعة لتفعيل القوة القادرة على الفرض والإملاء، بغض النظر عن التوازنات البرلمانية والأوزان الشعبية، وأمناء صندوق الاقتراع، بوصفه، أيضاً، تعبيراً عن الحلقة الأبرز في سيرورة إنتاج العملية الديمقراطية وإعادة إنتاجها، وذلك لعمق الهوّة، وشدّة التباين بين منطلقات أصحاب الصندوقين ورؤاهم وغاياتهم.
تكفي نظرة سريعة على السجال المحتدم في العراق بشأن انتخابات الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول)، سيما على نتيجتها شبه النهائية، والإصغاء قليلاً إلى الخاسرين في هذه اللعبة المتفق سلفاً على قواعد إجرائها وآليات إعلانها، ليتضح، ملء السمع والبصر، مدى هول التناقض الصارخ بين عقلية اللادولة، أي دولة المليشيات المشاركة في أفضل عملية انتخابية جرت في بلاد الرافدين منذ 15 عاماً، وفلسفة الدولة المدنية، القائمة على منطق احترام نتائج صندوق الاقتراع بلا تردّد، والاحتكام إلى قواعد العملية المعمول بها من دون نقاش، مثل سائر الديمقراطيات المحترمة، حيث يتم نقل السلطة إلى الأكثرية التشريعية تلقائياً.
ومع أن الحالة العراقية هذه ليست الأولى في المنطقة، ولا هي فريدة من نوعها لدى بلد المحاصصات والفساد الأشهر، إلا أنها أكثر هذه الحالات تكراراً في البلد الذي سعى الأميركيون إلى جعله نموذجاً ديمقراطياً يُحتذى به في الشرق الأوسط، إذ يبدو أن السماح للبندقية بالدخول على بيت عملية سياسية هشّة، وتمكينها من الإمساك ببعض مقاليد السلطة، قد شكّل سابقة لظاهرة عربية شائنة، قوامها عقد قران محرّم بين صندوقي الرصاص والاقتراع، أدّى، فيما أدّى إليه، إلى مضاعفات مماثلة في كل بلد عربي وضعت فيه المليشيات قدماً ثقيلة، وأتخمت ناسه بالشعارات الثورية.
بتوسيع مجال الرؤية، يمكن العثور بسهولة على تطبيقاتٍ عمليةٍ مشابهةٍ للمثال العراقي الملموس، في أقطار عربية أخرى ابتليت، هي الأخرى، بمثل هذا الزواج القسري، بين حملة السلاح وأهل السياسة، تماماً على نحو ما لا يزال يحدُث في الحالة اللبنانية المتجلية جهاراً نهاراً، حيث بات المسلّحون، مع مرور الوقت، هم القابضون على رقاب العباد والبلاد، وهم أصحاب السلطة الحقيقية، وحماة الطبقة السياسية الفاسدة، وقوة الدفع الكامنة وراء دفع البلد الجميل إلى حافّة الهاوية، إفقاره وتحويله من ثمّة إلى دولة فاشلة، ربما أكثر فشلاً من الدولة العراقية، أو قل دولة على الورق، رهنت مصيرها بمصائر دولة التوسّع الإيرانية.
ولا تتوقف امتدادات ظاهرة إقحام البندقية في الحياة الداخلية، وتمكينها من تسيّد المشهد الغرائبي في العراق ولبنان، المهيمن عليهما من الحرس الثوري الإيراني، بل تمتد إلى أصقاع أخرى، في مشرق العالم العربي ومغربه. ولعل ما يجري في ليبيا عشية انتخابات رئاسية وبرلمانية، مقرّرة بعد نحو شهر، يشبه، على هذا النحو أو ذاك، ما حدث ويحدث فصولاً تترى في ذينك البلدين، حيث سيكون لحملة البنادق والرشاشات الثقيلة الكلمة العليا في شؤون وشجون انتخابات مشكوك في إجرائها في ظل كل هذه السجالات الدستورية والسياسية المحمومة.
خلاصة القول، البندقية إذا دخلت في دهاليز الحياة الداخلية لأي بلد، بمبرّرات ملتبسة، قوّضت الدولة، أشاعت الفوضى، ضربت القانون والنظام العام، هوت بأسعار صرف العملة الوطنية، أفقرت العامّة وأفسدت كل شيء، خصوصا إذا أتت الانتخابات في غير صالحها، على نحو ما نرى ونسمع في مطارح لا يتّسع المقام لذكرها.