بيت عزّ

بيت عزّ

20 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

لا تستطيع أن تنكر أنّ فضول الإعلان والترويج يجذبك مثل المغناطيس، وتصبح مدفوعاً بالمتابعة أو التجربة. وها أنت تجلس في مساء خريفي بامتياز لتشاهد مسلسلاً من عشر حلقات، وتصمّ أذنيك عن المعترضين على موضة المسلسلات القصيرة، وبأنّها يجب أن تصنّف تحت مسمّيات قديمة مستهلكة، مثل السهرة التلفزيونية أو حتى الفيلم التلفزيوني، لكنّك تطلق عليها مسمّى مناسباً جداً "حكايات من الحياة".

وهكذا أخذتْني حلقات حكايةٍ من عشر حلقاتٍ من مسلسلٍ يحمل اسماً مختلفاً "إلّا أنا" لكنّ الحكاية تحمل اسماً محبّباً إلى النفس، ويثير فيك شجون ذكرياتٍ مضت، وهو اسم "بيت عزّ" وهذه لوحة معلقةٌ على عمارةٍ قديمةٍ تدور فيها أحداث تستحق أن تقف أمامها وقفات ووقفات.

"بيت عز" حكاية أخذتني إلى تساؤلاتٍ بداية من علاقة رائعة بين زوجين لم يرزقا سوى بابنة، وارتكبا معها الخطأ الفادح، أن تكون المدلّلة التي لا تجيد إعداد فنجان من القهوة لضيفٍ حلّ بالبيت، وتتأخر عن موعد عملها كلّ صباح؛ لأنّها تعتمد على أمها لكي توقظها من نومها. وقد استفحل المرض بالأم التي أخفته عن الجميع، فأصبحت عاجزةً عن القيام بمهامها. وبسبب ذلك، أصيب البيت بالشلل حتى وفاتها، وحتى أفاق الزوج المفجوع وابنته الوحيدة على حقيقة أنّهما لا يستطيعان تدبّر أمور حياتهما اليومية، وأنّ الأم أفنت عمرها وصحّتها من أجلهما، وتقاعست عن العلاج الكيميائي المبكّر لكي لا تتأخّر عن واجباتها المنزلية، فأصبح العلاج غير مجدٍ، وباتت تنتظر الموت حتى فاجأها في أثناء نومها.

هكذا هي الحكايات المحزنة للأسر السعيدة التي كثر تداول قصصها هذه الأيام؛ بسبب جائحة فيروس كورونا، ففي كلّ يومٍ نسمع عن رحيل الأب أو الأم بسبب مضاعفات الإصابة بالفيروس اللعين، وأصبحت بيوتٌ كثيرةٌ يغمرُها الحزن، وأضحت على مشارف الانهيار والضياع، بعدما تقوّض ركنٌ كبيرٌ من أركانها، فالأب هو الأمان والأم هي الربّان، وضياع أحدهما وفقدانه يعنيان أنّ على كلّ واحد من البقية أن يستعد لكي يخوض في غمار الحياة وحيداً، بعد اعتياد أن يصل إليه كلّ شيء حتى حافّة سريره.

ولأنّ الحزن يصغر، فهذه المشكلات أيضاً تصغر. تكون الفاجعة، في البداية، كبيرة فعلاً، لكنّ الجميع يفيق على حقيقة أنّه قد أصبح مسؤولاً عن نفسه، وأنّ هناك شخصاً قد أفنى حياته من أجل أن ينظّم حياة شخص آخر ويرتّبها بالمسطرة والقلم، إلى درجة أنّ حياته قد انقلبت موازينها أو أنّه قد نسي أنّه يمتلك روحاً ونفساً وجسداً تصرخ وتئنّ من التعب والاستنزاف، وبحاجةٍ لكي يلتفت إليها ويشفق عليها.

تخطئ الأمهات حين يعتقدن أنّ وجودهن هو محور هذا الكون الصغير، وأنّهن لو رحلن سوف يتوقف هذا الكون عن الدوران، وتتّضح أنانية الأب جليةً إلى درجة السخط عليه، حين يقرّر أن يستقدم خادمةً لتُعنى بالبيت، ومعلمة لتذاكر للصغار دروسهم، وكان الأجدر به أن يفعل ذلك في حياة الأم، لكي يمنحها فسحةً من الراحة ومساحةً لكي تعتني بنفسها وروحها، وتتابع التغيرات الصحية التي تطرأ عليها، خصوصاً أنّ النساء، بعد إنجاب عدد من الأطفال، واقترابهن من منتصف العمر، يصبحن أكثر عرضةً للإصابة بسرطان الثدي، على سبيل المثال، لكنّ معظم النساء اللواتي رحن ضحية لهذا المرض تأخّرن وتلكأن، أو أخفين حقيقة مرضهن عن عائلاتهن، من أجل ألّا تتوقف عجلة حياة هذا الكون الصغير، ولم يعرفن أو يدركن أن لا حياة تتوقف بعد موت شخص، وأنّ الكون يستمر، وقد يتوقف لكي يلتقط أنفاسه الحزينة، لكنّ الأنانية البشرية وحبّ البقاء يدفعانه لكي يعتمد على نفسه، مثل الشبل الصغير المختفي في العرين الذي يخرج تدريجياً إلى الغابة، حين يعضّه الجوع، وتقع الأم في فخاخ الصيادين ويحملونها إلى حديقة حيوان بعيدة... وهكذا فحكاية مثل حكاية "بيت عزّ" أوصلت إلى النساء رسالةً قصيرة، لكنّها موجعة حتى تحوّلت إلى جرس إنذار.