بعد يوم الأسير الفلسطيني

19 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

أفرج المحتلون الإسرائيليون، الأسبوع الماضي، عن سليمان قطّش. وهذا اسم فتى فلسطيني من قرية اسمها عين يبرود، عمره 18 عاما، أمضى 16 شهراً معتقلاً إدارياً في سجون الاحتلال. والاعتقال الإداري هو حبسٌ بأمر إداري إسرائيلي من دون لائحة اتهام، مدةً تصل إلى ستة شهور قابلة للتمديد. ليس في خبر الإفراج ما يثير انشغالاً خاصاً به، كما حال اعتقال الفتى قبل عام وأربعة شهور. هو بالغ العادية والتقليدية، فأن تضيع من عُمْر سليمان قطّش هذه الشهور لا يعني شيئاً في منطق الإعلام الباحث عمّا هو درامي ويستنفر العواطف. ولكن، عَبَر أول من أمس، يوم الأسير الفلسطيني، وانتظمت فعالياتٌ محدودةٌ لإحيائه. وجيء في وسائط الميديا، أو بعضها للدقة، على التقليديّ المألوف في المناسبة، المُنتظمة منذ قرّرها المجلس الوطني الفلسطيني في 1974، التذكير بأعداد الأسرى الفلسطينيين في سجون المحتلّين، وأصحاب المحكوميات الطويلة، وأعداد المرضى والنساء والفتيان والأطفال منهم. وهذا بالغ الوجوب والأهمية. وجهود هيئة شؤون الأسرى، التابعة لمنظمة التحرير، وكذا مبادرات نادي الأسير (هيئة مستقلة) مقدّرة في توثيق المعطيات والمعلومات الإحصائية والإنسانية بشأن المخطوفين في زنازين العدو الصهيوني. ولا يأتي صاحب هذه الكلمات جديداً عندما يكرّر القول المعلوم عن وجوب أن تبقى قضية الأسرى في سجون الاحتلال حيّةً، ودائمة الحضور في الإعلام، ومركزيةً في الفعل المدني الفلسطيني، وفي الجهد الدبلوماسي الرسمي. وقبل هذا كله وبعده، في العمل الكفاحي الوطني، سيما والمعلوم أن عمليات خطف الطائرات، في بعض سبعينيات القرن الماضي، أخذت بها منظماتٌ يساريةٌ فلسطينية، كانت في تلك السنوات راديكالية، من أجل الإفراج عن الأسرى، وكذا عمليات غير قليلة للمقاومة الفلسطينية، استهدفت خطف جنود إسرائيليين. ولا يُنسى أن عمليات إفراجٍ عن أسرى تمّت تبادلاً.
ولا يعني هذا سوى أن يتكامل الفعل الفلسطيني، في غير مسارٍ ووجهة، من أجل إنقاذ الأسرى الذين لا يُنسى أن المفاوض الفلسطيني الخائب، إبّان "أوسلو" وما تلاه، لم يُعط قضيتهم الأولوية القصوى. ومع التسليم بأن بندهم حوفظ عليه في جولات التفاوض المضنية، وبذَل الطرف الفلسطيني بعض الجهد في أمرهم، إلا أن تقصير المؤسسة الفلسطينية الرسمية بشأنهم بقي فادحاً، ويرقى إلى منزلة الفضيحة، الأمر الذي استقوى به الإسرائيليون، فلم يتوقفوا عن خطف فلسطينيين إلى زنازين الاحتلال، بل واقتراف انتهاكاتٍ وفظاعاتٍ على أبدان كثيرين منهم، مع نقصان الرعاية الطبية. وقد استشهد 226 أسيراً في السجون منذ 1967. ولو أن لدى الفلسطينيين إعلاماً ثقيلاً ومتقناً، ولو أن العرب على غير البؤس الراهن، ومن تفاصيله أخيرا التحالف الشائن بين الإمارات وإسرائيل، لأحرزت مأساة الأسير المُفرج عنه أخيراً، منصور الشحاتيت (35 عاماً)، موقعها المستحقّ في ضمير العالم الذي ترجّه الوقائع الفردية المُثقلة بالألم. وقد أمضى الشاب 17 عاماً في سجون العدو، وخرج قبل أيام فاقداً ذاكرته إلى حد كبير، وهو الذي أمضى 13 عاماً في عزل انفرادي، وعومل بفظاظةٍ وإهمالٍ طبّي مريعيْن. وبين 4500 أسير فلسطيني يختطفهم الاحتلال ثمّة مكابداتٌ بلا عدد يغالبها هؤلاء الصامدون الصابرون، ومنهم 543 أسيراً محكومون بالمؤبد، بل وبأكثر من مؤبد الذي يعدّ 99 عاماً. تُرى، هل في وسع مخيّلة روائيٍّ من قماشة الذين نهجوا الواقعية السحرية في أميركا اللاتينية أن تصل سقوفها إلى مثل الحكم على الأسير عبد الله البرغوثي بـ 67 مؤبداً. وهل بلغ أحداً في العالم أن المحتلين أسروا أكثر من 16 ألف امرأة منذ 1967، وقد تعرّضن لصنوفٍ شنيعةٍ من التنكيل، ومنهن من ولدن أبناءهن في أثناء الأسر، ومكث أطفالهن سنواتٍ معهن في السجون.
مضى يوم الأسير الفلسطيني، وسيعود العام المقبل، وسنكتب الوجدانيات نفسها، والمطالبات نفسها، وسيتم تحديث الإحصاءات وقاعدة البيانات، وسنأتي على أعداد جديدة في مقالات وخواطر وكتابات مسترسلة، وسيبقى في ظلام السجن ناسٌ أشداء، بينهم أساطير إنسانية.. من سيكتب أدباً عظيماً عنهم؟ من سيُنجز سينما متقدّمة عنهم (شكراً مي المصري عن "3000 يوم")؟ من ..؟ من ..؟ من سيلتقط العجائبي في ضياع 16 شهراً من عمْر سليمان قطّش؟